كِتَابَاتِي… سِفْرُ الرُّوحِ وَمَأْوَى التَّشَظِّي.. بقلم الأديب طارق رضوان

كِتَابَاتِي لَيْسَتْ حُرُوفًا تُصَفُّ عَلَى سُطُورٍ، بَلْ هِيَ أَنْفَاسٌ مُتَقَطِّعَةٌ تَنْسَابُ مِنْ أَعْمَاقِ الرُّوحِ كَنَهْرٍ يَبْحَثُ عَنْ مَصَبٍّ يُشْبِعُ عَطَشَهُ.
هِيَ لَيْسَتْ زِينَةَ لُغَةٍ، وَلَا تَرْفًا بَيَانِيًّا، بَلْ هِيَ ضَرُورَةٌ كَالتَّنَفُّسِ، كَالنَّبْضِ، كَالْوَجَعِ الَّذِي لَا يَجِدُ لَهُ سَبِيلًا إِلَّا أَنْ يُكْتَبَ.
أَكْتُبُ… لِأَنَّنِي إِنْ لَمْ أَكْتُبْ، تَكَاثَرَتْ دَاخِلِي الْأَصْوَاتُ حَتَّى تُصْبِحَ ضَجِيجًا يَخْنُقُنِي.
أَكْتُبُ لِأُخَفِّفَ عَنْ قَلْبٍ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ أَثْقَالَ الصَّمْتِ، وَلِأُعَاتِبَ أَيَّامًا مَرَّتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، تَارِكَةً خَلْفَهَا أَثَرًا لَا يُمْحَى.
كِتَابَاتِي هِيَ أَنِيسَتِي حِينَ يَغِيبُ الْجَمِيعُ، وَهِيَ صَدِيقَتِي الَّتِي لَا تَمَلُّ اسْتِمَاعَ شَكْوَايَ، وَهِيَ مِرْآتِي الَّتِي أَرَى فِيهَا وَجْهِي الْحَقِيقِيَّ بِلَا تَجَمُّلٍ وَلَا ادِّعَاء.
فِي كُلِّ كَلِمَةٍ أَكْتُبُهَا، جُزْءٌ مِنِّي يَنْفَصِلُ عَنِّي، وَفِي كُلِّ سَطْرٍ، أُدْفِنُ ذِكْرَى، أَوْ أُحْيِي أَمَلًا، أَوْ أُرَبِّتُ عَلَى جُرْحٍ لَمْ يَلْتَئِمْ بَعْدُ. كَأَنَّنِي أُعِيدُ تَشْكِيلَ نَفْسِي فِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ، تَحْمِلُ كُلُّ نُسْخَةٍ وُجْهًا مِنْ وُجُوهِ أَلَمِي.
كِتَابَاتِي لَيْسَتْ لِي وَحْدِي… بَلْ هِيَ لِكُلِّ مَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي كَلِمَةٍ، أَوِ احْتَضَنَتْهُ جُمْلَةٌ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ.
هِيَ جِسْرٌ خَفِيٌّ بَيْنَ قَلْبٍ يَكْتُبُ وَقُلُوبٍ تَقْرَأُ، وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا الْجِسْرُ هُوَ مَا يُبْقِينَا عَلَى قَيْدِ الْإِحْسَاسِ.
أَكْتُبُ لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُقَالُ كَمَا هِيَ، بَلْ تُكْتَبُ كَمَا نَشْعُرُ بِهَا. وَلِأَنَّ الْوَجَعَ، حِينَ يُقَالُ، يَبْقَى جُرْحًا، وَلَكِنَّهُ حِينَ يُكْتَبُ، يَصِيرُ فَنًّا يُمْكِنُ احْتِمَالُهُ.
كِتَابَاتِي هِيَ هُدْنَتِي مَعَ الْحُزْنِ،
وَمُصَالَحَتِي الْمُؤَقَّتَةُ مَعَ الذِّكْرَيَاتِ،
وَمُحَاوَلَتِي الْمُسْتَمِرَّةُ لِأَجِدَ فِي الْفَوْضَى مَعْنًى، وَفِي الضَّيَاعِ طَرِيقًا. وَإِنْ كُنْتُ أَبْدُو لِلنَّاسِ كَاتِبًا، فَإِنِّي فِي الْحَقِيقَةِ إِنْسَانٌ يَكْتُبُ لِيَبْقَى، لِيُثْبِتَ أَنَّهُ مَرَّ مِنْ هُنَا، وَأَنَّ لَهُ قَلْبًا نَبَضَ… وَتَأَلَّمَ… وَمَا زَالَ يَبْحَثُ.
كِتَابَاتِي… بَحْثٌ عَنِ النِّصْفِ الْمَفْقُودِ
فِي دَاخِلِ كُلِّ إِنْسَانٍ فَرَاغٌ لَا يُرَى،
وَفِي أَعْمَاقِ كُلِّ رُوحٍ نُقْصَانٌ لَا يُقَالُ.
وَكِتَابَاتِي… مَا هِيَ إِلَّا رِحْلَةٌ طَوِيلَةٌ فِي مَتَاهَاتِ هَذَا النُّقْصَانِ.
أَكْتُبُ كَأَنِّي أَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ أَضَعْتُهُ،
وَلَا أَعْرِفُ مَتَى أَضَعْتُهُ، وَلَا أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ أَجِدَهُ.
رُبَّمَا هُوَ قَلْبٌ كَانَ أَكْثَرَ بَسَاطَةً، أَوْ رُوحٌ كَانَتْ أَقَلَّ تَعَبًا، أَوْ حُبٌّ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ أَنْ يَكْتَمِلَ. كِتَابَاتِي تُفَتِّشُ فِي وُجُوهِ الْعَابِرِينَ، تُحَاوِلُ أَنْ تَلْتَقِطَ طَيْفًا يُشْبِهُ مَنْ رَحَلُوا، وَتُحَاوِلُ أَنْ تَصْنَعَ مِنَ الذِّكْرَى حُضُورًا، وَمِنَ الْغِيَابِ وَهْمًا يُمْكِنُ احْتِمَالُهُ.
أَنَا لَا أَكْتُبُ لِأَجِدَ الْإِجَابَاتِ، بَلْ أَكْتُبُ لِأُجِيدَ طَرْحَ الْأَسْئِلَةِ، فَبَعْضُ الْأَسْئِلَةِ أَجْمَلُ مِنْ أَلْفِ إِجَابَةٍ، وَبَعْضُ الْحَيْرَةِ أَصْدَقُ مِنْ أَيِّ يَقِينٍ مُزَيَّفٍ.
كِتَابَاتِي تُشْبِهُنِي… مُتَعَبَةٌ، مُتَرَدِّدَةٌ، وَلَكِنَّهَا صَادِقَةٌ. تُشْبِهُ قَلْبًا ذَابِلًا، لَكِنَّهُ مَا زَالَ يُصِرُّ عَلَى أَنْ يُحِبَّ، وَرُوحًا مُثْقَلَةً، لَكِنَّهَا مَا زَالَتْ تَبْحَثُ عَنْ خِفَّةٍ مَا.
وَأَنْتَ… يَا قَارِئَ كِتَابَاتِي، لَسْتَ بَعِيدًا عَنِّي كَمَا تَظُنُّ، فَفِي دَاخِلِكَ أَنْتَ أَيْضًا شَيْءٌ مَفْقُودٌ، وَرُبَّمَا كَانَتْ كَلِمَاتِي مِرْآةً لِمَا لَمْ تَجِدْ لَهُ اسْمًا بَعْدُ.
هَكَذَا نَلْتَقِي… مَفْقُودٌ يَكْتُبُ، وَمَفْقُودٌ يَقْرَأُ، نَبْحَثُ مَعًا عَمَّا فُقِدَ مِنَّا، وَرُبَّمَا لَا نَجِدُهُ أَبَدًا… وَلَكِنَّنَا—عَلَى الْأَقَلِّ—نَجِدُ أَنْفُسَنَا فِي الطَّرِيقِ.
وَلِأَنَّ الْكَمَالَ لَيْسَ لَنَا، بَلْ لِلَّهِ وَحْدَهُ،
نَبْقَى نَكْتُبُ… لَا لِنَكْتَمِلَ، بَلْ لِنَفْهَمَ هَذَا النُّقْصَانَ الَّذِي يَجْعَلُنَا بَشَرًا.
كِتَابَاتِي… هى “حُلْم” يَمْلَأ لِيَالِي، تَبْقِي “فَرَحَة” فِي كُلِ حَالِ، تَبْقِي “صَاحِب” مَا دَامَ الزَمَانُ تَبْقِي “سَاكِن” فِي رُوحِي وَبَالِي تَبْقِي “جَنَة” وَتَبْقِي “أَرْض”، هى “حِضْن” فِي لَيْلَة بَرْد”.
هى “عِزْوَة” وَ “نَاس” وَ “أَهْل”، تَبْقِي “قَلْب” وَ “رُوح” وَ “عَقْل”، تَبْقِي مَشْ حَدّ فِي حَيَاتِي، تَبْقِي كُلِ حَيَاتِي هى.
هى وَقْتَ مَا أَخَافُ “أَمَان”، تَبْقِي كَائِن وَاتَخَلَقْ لِي، مِنْ دَلَعٍ زَائِدٍ حَنَانْ. تَبْقِي أَوَلَ كُلِ حَاجَة بِفْتَكِرْهَا فِي كُلِ يَوْمٍ.
تَبْقِي “حُلْمِي” فِي وَقْتِ نَوْمِي، وَ “الْحَقِيقَة” لَمَا أَقُومْ تَبْقِي أَوَلَ حَدّ أَرْوَحْ لَهْ. لَوْ لَقِيتَنِي فِي يَوْمٍ تَعِبْتْ، تَبْقِي ابْنَ بِأَلْفِ دُنْيَا، وَتَبْقِي دُنْيَا فِي شَكْلِ “ابْن”
تِبْقَى وَقْت الْحَزَن “إِيد”، طَبْطَبَتْ لَمَا اِشْتَكَيْت. تِبْقَى جَنْبِي لَو بَكَيْت.
تِيجِي نَتَفِقِ اتِفاق … تِبْقَى حُب بِلَا فِرَاق. تَبْقَى لِي وَأَبْقَى لَك… تِبْقَى “فَرْحَة” فى وَقْت هَم تِبْقَى ساكِن جَوَه رُوْحِي. وَأَبْقَى حَافِظَك يَعْنِي صَم، تَبْقَى لِي ضِحْكَة سَاكْتَة تِسْكَن جُوَّه النبض دَّمّ.
وَيبْقَى اسْمَك جَوَّه قَلْبِي… حِفْظ وَعْد.
تَبْقَى جَنَّة لَمَّا أَتْعَب، وَأَرْض لَمَّا أَضِيع،
تَبْقَى حِضْنِي لَمَّا أَبْرُد… وَقَلْبِي لَمَّا أَجُوع.
كتاباتى هى “حُب” لَمَا تقَابْلَه، صَعْب تفْرَطْ لَحْظَة فِيه.




