يتامىَ بلا ظلْ ..!! والانهزامية في عصرِ المادة

بقلم / الفنانة والكاتبة
د . أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي
هناك أطفال يولدون في عالم بلا ظل، لا يحتضنهم دفء الأسرة ولا يحميهم حضور الأمان ، وفي الثاني من إبريل من كل عام ، يتجسد هذا الغياب في يوم اليتيم ؛ يوم يرفع الستار على فراغات الطفولة ، ويحول الغياب إلى وعي جماعي ومسؤولية إنسانية . فكان اختيار هذا اليوم بعناية ، ليس مجرد صدفة ، بل كرمز للتذكير بأن الحياة لا تعطى الجميع نفس الفرص ، وأن المجتمع الراشد عليه أن يكون الظل لأولئك الذين فقدوه من الداخل؛ حيث تتخذ الأسرْ والمجتمعات المحلية مبادرات رمزية وعملية لتخفيف أثار الغياب والفقد ، بينما من الخارج ترسم المنظمات الدولية سياسات تدعم التعليم والصحة والحياة الكريمة لهؤلاء الأطفال ، لكي تُعيد لهم جزءًا وطريقاً من جديد يفتح مسارات للضوء الذي فقدوه.
وفي هذا العام 2026 شهدت عدة دول حملات تفاعلية رقمية ، تحكي قصصاً يومية لأيتام .. للحث على مشاركة المجتمع كله مشاركةً تبنى صنع ظل جديد لهم ، ظل منسوج بثوب من الكرامة والاهتمام بالفرص المتساوية ؛ واحتفاء يتجاوز الشعارات ، ليصبح فعلاً ملموساً يربط الغياب بالحضور ، والفقدان بالاعتراف ، والحاجة بالمسؤولية. وبخاصة في عالم استبدت فيه المادة، واختلفت فيه معايير اليُتم وتغايرت مفاهيم الفقد ؛ فأصبحت غربة الروح صمت في الوجوه ، و فراغاً في الأفق الداخلي لكل طفل داخل إنسان كبيرا أو صغيرا لم يجد ظلاً يحميه ؛ فلم يُعد اليتيم لمن مات أهله فقط ، بل هو كمن لم يجد الرحمة فيمن حوله من غياب للحنو ومن فقدان للمرايا الإنسانية ، وانكسار للضوء الذي يفترض أن يحيط بالطفولة.
إن اليتم في عصرنا الراهن صرخة بلا صوت توقظ ضميرالزمن الذي تلوث ساعاته بالمصالح ، وسادته المادة على ما عداها من قيم ومثل أخلاقية .. فكل ابتسامة لم تهدهد وكل حنان لم يُسكب ، يترك وراءه فراغاً قابلاً للانهيار النفسي ، يجعل الطفل الصغير يتيماً في وسط الحاضرين ، والكبير يتيماً في قلب وطنه .
ندرك أننا الآن في عالم انهزامي وقح ؛ غير أن الانهزامية اليوم ليست مجرد استسلام ، بل انكسار جماعي أمام فوضى المادة ، فحين يفضل المجتمع المكاسب العابرة على استقرار النفوس الصغيرة ، يصبح اليُتم بمثابة اختبار أخلاقي أمام المرآة لتكشف لنا مدى هشاشة المجتمع للتعاطف والضحالة أمام مفهوم الرحمة ، وانحطاط المفاهيم الإنسانية التي تتهاوى تحت أقدام بريق المادة.
ومن ثم نرى إن الواجب الأخلاقي تجاه هؤلاء الصغار يتجاوز حيز التقويمات السنوية والهداية الرمزية ، إنه إعادة خلق فضاءات الأمان وترميم الظل المفقود ، وإحياء الآفق الداخلي الذي خُرِبَ بفعلِ اللامبالاة .
والجدير بالقول هنا إن المجتمع الذي يقرأ صمتهم ويصغي لرغبتهم في الظل ؛ هو المجتمع الذي لم يمُت قلبه الإنساني بعد ؛ فهم يتامى بلا ظل ؛ ليس لكونهم يعيشون مُجرد فقدان بلا صرخة أخلاقية تتردد في فضاء الوجود ؛ تذكرنا بأن الفقد الحقيقي لا يقاس بالغياب الجسدي فقط ، بل هو فقدان الرحمة ،وانهيار للأفق الإنساني في زمن طغيان المادة على الروح.
إن يوم اليتيم ليس مجردة صورة تتصدر مأساةً بقدرِ ما هو دعوة للفعل ، لتجديد الحضور في حياة من فقدوا الأمان ، ولمحاولة إعادتهم لحيز الظل . ظلاً أصيلاً دون فقد أو غياب يترك أثره في القلب كما يترك النَسيمُ أثرهُ على صفحةِ الماءْ . فالفقد ليس مجرد غياب ، بل هو نهر خفي يجري في الروح ، يشق الطرق المظلمة ويضيء الزوايا التي ظنناها مهجورة في رحيل من أحببنا ؛ يصبح الصمت صوتاً عميقاً والحزن ظلاً يلامس كل خلية والذكريات أجنحة تطير بنا إلى ما بين الماضي والحاضر أملاً في الدخول إلى الظل ..




