تَعْوِيذَةُ الإِنْسَانِيَّةِ فِي زَمَنِ الفَوْضَى بِقَلَمِ الأَدِيبِ الدُّكْتُورِ طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةَ

تُرَى مَا هِيَ طقوسُ النجاةِ العبثيّة؟ وكيف نُرتِّبُ الفوضى ونبقى بَشَرًا؟
لَيْسَتِ الإِنْسَانِيَّةُ فِكْرَةً نَتَعَلَّمُهَا، وَلَا شِعَارًا نَرْفَعُهُ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ… بَلْ هِيَ شَيْءٌ خَفِيٌّ، يَنْسَحِبُ مِنَّا دُونَ أَنْ نَنْتَبِهَ، كَأَنَّهُ رُوحٌ تَتَسَلَّلُ مِنْ جَسَدٍ لَمْ يَعُدْ يُجِيدُ الاِحْتِفَاظَ بِالحَيَاة.
فِي زَمَنٍ لَا تَقَعُ فِيهِ الحُرُوبُ فَقَطْ عَلَى الأَرْضِ، بَلْ تَقَعُ دَاخِلَ النُّفُوسِ، نُصْبِحُ نَحْنُ سَاحَاتِهَا، وَنَتَحَوَّلُ — دُونَ إِعْلَانٍ — إِلَى خَسَائِرَ صَامِتَة.
هُنَا… لَا تَكُونُ الإِنْسَانِيَّةُ قَانُونًا، وَلَا أَخْلَاقًا مَكْتُوبَة،
بَلْ تُصْبِحُ تَعْوِيذَةً…نُرَدِّدُهَا فِي وَجْهِ القَسْوَةِ، لَعَلَّهَا تُؤَخِّرُ انْهِيارَنَا.
نُرَدِّدُهَا وَنَحْنُ نَرَى القَلْبَ يَتَحَوَّلُ إِلَى حَجَر، وَالصَّوْتَ يَفْقِدُ رِقَّتَهُ، وَالعَلَاقَاتِ تَتَآكَلُ كَأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ أَصْلًا.
نُرَدِّدُهَا… لَيْسَ لِأَنَّهَا تُنْقِذُنَا،
بَلْ لِأَنَّهَا تُؤَخِّرُ لَحْظَةَ السُّقُوطِ الحَتْمِيِّ فِي لَا مُبَالَاةٍ كَامِلَة.
وَكُلَّمَا أَعَدْنَا تَرْتِيلَهَا، نَكْتَشِفُ أَنَّنَا لَا نُحَافِظُ عَلَى الإِنْسَانِيَّةِ… بَلْ نُحَاوِلُ أَنْ نُقْنِعَ أَنْفُسَنَا أَنَّهَا لَمْ تَمُتْ بَعْد.
فَهَلْ نَحْنُ فِعْلًا نُمْسِكُ بِبَقَايَاهَا؟ أَمْ أَنَّنَا — دُونَ أَنْ نَدْرِي — نَرْدُدُ تَعْوِيذَةً لَا تُحْيِي شَيْئًا… بَلْ تُخَفِّفُ وَطْأَةَ الفَقْدِ فَقَط؟
سَأَتَخَيَّلُ نَفْسِي—عِنْدَ أَوَّلِ خَبَرٍ عَنْ نُذُرِ الفَنَاءِ—لا أُسْرِعُ لِإِغْلَاقِ النَّوَافِذِ، بَلْ أُسْرِعُ لِفَتْحِهَا عَلَى اتِّسَاعِهَا، كَأَنِّي أُرِيدُ لِلرِّيحِ أَنْ تَدْخُلَ وَتَأْخُذَ نَصِيبَهَا مِنَ الفَوْضَى. سَأُخَبِّئُ فِي جَيْبِي بَعْضَ القِصَاصَاتِ الَّتِي كَتَبْتُهَا فِي لَحَظَاتِ ضَعْفٍ، لَا لِأَنْجُو بِهَا، بَلْ لِأُقْنِعَ نَفْسِي أَنِّي كُنْتُ حَيًّا يَوْمًا بِمَا يَكْفِي لِأَخْطِئَ.
سَأُعِدُّ كُوبًا مِنَ الشَّايِ، لَا لِأَشْرَبَهُ، بَلْ لِأُشَاهِدَ بُخَارَهُ يَتَصَاعَدُ كَخُطَّةِ هُرُوبٍ بَسِيطَةٍ مِنْ عَقْلٍ مُثْقَلٍ بِالضَّجِيجِ. وَسَأَضَعُ هَاتِفِي عَلَى وَضْعِ الطَّائِرَانِ، لَيْسَ لِأَطِيرَ، بَلْ لِأُوهِمَ نَفْسِي أَنَّنِي خَارِجُ مَدَى كُلِّ هَذَا العَبَثِ.
سَأَجْمَعُ بَقَايَا الأَغَانِي الَّتِي لَمْ أُكْمِلْهَا، وَأُرَتِّبُهَا كَأَنَّهَا مَؤُونَةُ قَلْبٍ خَائِفٍ مِنَ النِّسْيَانِ. سَأُعَلِّقُهَا عَلَى جُدْرَانِ غُرْفَتِي، لِتَكُونَ شُهُودًا عَلَى أَنَّ الصَّوْتَ—حَتَّى لَوِ اخْتَنَقَ—يَتْرُكُ ظِلًّا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَمَا يَمُرُّ النَّاسُ مُسْرِعِينَ، سَأَمْشِي بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، كَأَنِّي أُقَاوِمُ سُلْطَةَ السَّاعَةِ، وَأُثْبِتُ لِلزَّمَنِ أَنَّ العَجَلَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا نَجَاةً، بَلْ قَدْ تَكُونُ طَرِيقًا أَسْرَعَ لِلضَّيَاعِ.
سَأَزْرَعُ فِي أَصْصٍ صَغِيرٍ عَلَى حَافَّةِ النَّافِذَةِ بَذُورَ نَعْنَاعٍ، وَأَسْقِيهَا مِنْ بَقَايَا المَاءِ الَّذِي نَسِيتُ أَنْ أَشْرَبَهُ. لَا لِأَحْصُدَ خُضْرَةً، بَلْ لِأُثْبِتَ أَنَّ الحَيَاةَ تَتَسَلَّلُ حَتَّى فِي أَضْيَقِ الأَوْعِيَةِ.
سَأُحَاوِلُ أَنْ أُصَالِحَ الأَشْيَاءَ الَّتِي كَسَرْتُهَا دُونَ قَصْدٍ؛ كُوبًا مُتَشَقِّقًا، ذِكْرَى مُرَّةً، وَجُمْلَةً قُلْتُهَا فِي غَضَبٍ. سَأَلْصِقُهَا بِبَعْضِهَا، لَا لِتَعُودَ كَمَا كَانَتْ، بَلْ لِتُذَكِّرَنِي أَنَّ التَّشَقُّقَ أَيْضًا شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ البَقَاءِ.
وَعِنْدَمَا يَعْلُو الصَّوْتُ خَارِجِي، سَأَخْفِضُهُ دَاخِلِي. سَأُغْلِقُ أُذُنَيَّ عَلَى نَبْضِ قَلْبِي، وَأُصْغِي إِلَيْهِ كَأَنَّهُ آخِرُ مَحَطَّةِ إِذَاعَةٍ لَمْ تَسْقُطْ بَعْدُ. سَأَتَعَلَّمُ كَيْفَ أُفَكِّرُ بِهُدُوءٍ فِي عَالَمٍ يُصِرُّ عَلَى الصُّرَاخِ.
سَأَكْتُبُ عَلَى وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ: “كُلُّ شَيْءٍ قَابِلٌ لِلتَّأْجِيلِ… إِلَّا الإِنْسَانِيَّةَ”، وَأَضَعُهَا فِي جَيْبِي، كَتَعْوِيذَةٍ ضِدَّ التَّوَحُّشِ المُفَاجِئِ.
وَإِذَا سَأَلَنِي أَحَدٌ: مَاذَا سَتَفْعَلُ إِذَا انْهَارَ كُلُّ شَيْءٍ؟
سَأَبْتَسِمُ، وَأَقُولُ: سَأُعِيدُ تَرْتِيبَ الفَوْضَى… لَا لِتُصْبِحَ نِظَامًا، بَلْ لِتُصْبِحَ أَقَلَّ وَحْشِيَّةً.
فَلَعَلَّ النَّجَاةَ—فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ—لَيْسَتْ فِي أَنْ نَبْقَى أَحْيَاءً،
بَلْ فِي أَنْ نَبْقَى بَشَرًا…
حَتَّى وَنَحْنُ نَمْشِي فَوْقَ أَطْلَالِ مَا كُنَّا نُسَمِّيهِ عَالَمًا.




