مقالات

في سيفِ المجتمع.. لا تنتصر إلا الأقنعة بقلم الأديب د. طارق رضوان جمعة

تمهيد
حينَ يَسقُطُ الإنسانُ في العَلَن… يَصيرُ الجُرْحُ مُلكًا للجَميع لا لصاحِبِه. في زَمَنٍ تَكثُرُ فيهِ العيونُ وتَقلُّ فيهِ البصيرة، لم يَعُدِ الإنسانُ يَسقُطُ وَحْدَهُ، بل يَسقُطُ في ساحةٍ مفتوحةٍ تُدعى: “العَلَن”.

هنا لا يَسقُطُ الجسدُ فقط… بل يَسقُطُ معهُ المعنى، وتُرفَعُ حولهُ محكمةٌ بلا قاضٍ، وصَخبٌ بلا رحمة، وتعليقٌ بلا وعي.

يَسقُطُ الإنسانُ… فتَسقُطُ معهُ إنسانيتهُ في أيدي الآخرين.
أولًا: حين يصبح الألم عرضًا عامًا لم يَعُدِ الألمُ شأناً خاصًا، ولم يَعُدِ الانكسارُ لحظةً بين الإنسان ونفسه. بل صار مشهدًا يُشاهَد، وقصةً تُروى، ومادةً تُستهلك، ثم تُنسى بعد أن تُرهق صاحبها.

وفي هذا العالم الجديد، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل أصبح السؤال: كم سيستمر هذا المشهد؟ وكم سيجلب من ضجيج؟ وهكذا يتحول الجرحُ من وجعٍ إلى “ترند”… ومن إنسانٍ إلى “محتوى”.

ثانيًا: دوستويفسكي… الإنسان الذي يحاكم نفسه قبل أن يحاكمه العالم
في الجريمة والعقاب، لم يكن “راسكولنيكوف” هاربًا من القانون فقط، بل كان هاربًا من نفسه. كان يعيش داخل محكمةٍ داخلية لا تنام، وقاضٍ لا يرحم، وضميرٍ لا يهدأ.
ليس أشدُّ من أن يصبح الإنسانُ خصمَ نفسه، وحارسَ سجنه في آنٍ واحد.
لكن دوستويفسكي يترك لنا سؤالًا عميقًا: ” إذا كان الإنسان يُعذَّب داخليًا بهذا الشكل… فهل يحتاج أصلًا إلى جمهورٍ ليكمل محاكمته؟”

ثالثًا: كافكا… حين تُدان دون أن تعرف لماذا… في المحاكمة، يُسحب جوزيف ك. إلى عالمٍ لا يعرف فيه التهمة، ولا القاضي، ولا حتى حدود العدالة.

إنه ليس ظلماً عادياً… بل غموضٌ كامل.
عالمٌ يقول لك: أنت مذنب… دون أن يقول لك لماذا. أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يُدان، بل أن يُدان دون تفسير.

وهنا يلتقي كافكا مع واقعنا الحديث:
حيث تُختصر حياة إنسان في مقطع، أو صورة، أو جملة، ثم يُبنى عليه حكمٌ لا يُستأنف.

رابعًا: فيكتور هوغو… الرحمة التي تُعيد تشكيل المصير. ففي البؤساء، لم يكن “جان فالجان” مجرمًا بقدر ما كان إنسانًا خرج من خطأٍ واحدٍ ليُطارد مدى الحياة. لكن الرواية تقول شيئًا أعمق: “الإنسان لا يُقاس بلحظة سقوطه، بل بقدرته على النهوض بعدها.”

فالمجتمع الذي لا يغفر… لا يُربي إنسانًا، بل يُعيد إنتاج السقوط بأشكالٍ مختلفة.
خامسًا: نجيب محفوظ… حين تبتلع المدينة أبناءها؛ في عالم محفوظ، لا يوجد أبيض وأسود، بل مناطق رمادية لا تنتهي.

في اللص والكلاب، لا يموت الإنسان مرة واحدة، بل يُقتل مراتٍ متعددة: مرة في الواقع، ومرة في الصورة، ومرة في كلام الناس.

أخطر أنواع الموت… أن تبقى حيًا بينما صورتك ميتة في عيون الآخرين.
وهكذا تتحول المدينة إلى مرآة قاسية، لا تعكس الحقيقة، بل تعكس ما تريد أن تراه.
سادسًا: الواقع الرقمي… محكمة بلا أبواب: في زمن السوشيال ميديا، لم يعد الإنسان يحتاج إلى أن يكون مشهورًا كي يُحاكم. يكفي أن يُخطئ، أو يُفهم خطأ، أو يُنقل عنه نصف قول.

ثم تبدأ المحاكمة: تعليق… تعليقان… ألف تعليق… ثم حكمٌ نهائي.
وقد شهد الواقع الحديث حالات لأشخاص انهارت حياتهم تحت ضغط الرأي العام الرقمي، حيث تحوّلت لحظات ضعف إنساني إلى مادة تداول، بلا قدرة حقيقية على الاحتواء أو الفهم.

وهنا يبرز السؤال المؤلم:”هل أصبحنا نرى الإنسان… أم أصبحنا نرى القصة فقط؟”
سابعًا: بين الاعتراف والبجاحة… سوء الفهم الكبير
يظن البعض أن الاعتراف ضعف، وأن الصمت قوة، وأن الظهور المتماسك هو النجاة.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا: الاعتراف قد يكون شجاعة، الصمت قد يكون خوفًا
والقناع قد يكون نجاةً مؤقت، أما المجتمع، فقد لا يفرّق دائمًا بين هذه الحالات… فيحكم على الشكل لا على العمق.

ثامنًا: حين يصبح الضعف خطرًا اجتماعيًا
في بعض البيئات، لا يُسامَح الإنسان لأنه أخطأ، بل يُدان لأنه ظهر ضعيفًا.
فالضعف هنا ليس حالة إنسانية… بل وصمة اجتماعية.
ولهذا، كثيرون يتعلمون الدرس الخاطئ: ليس “كيف أصلح خطئي”…
بل “كيف لا أُكشف مرة أخرى”.

وهنا يبدأ تشوّه العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان ومجتمعه.
تاسعًا: المجتمع الذي يصفق ثم ينسى
المفارقة أن الجمهور سريع الحكم… سريع النسيان أيضًا.

يُدين اليوم، ثم ينسى غدًا، ثم ينتقل إلى قصة أخرى. لكن الإنسان الذي كان في قلب العاصفة… لا ينسى بسهولة.

الجمهور يمر… أما الجرح فيبقى.
عاشرًا: سؤال لا يهدأ:” هل المشكلة في الإنسان حين يخطئ؟ أم في المجتمع حين يحوّل الخطأ إلى هوية؟ هل نريد الإصلاح… أم نريد الإدانة فقط؟ هل نبحث عن الحقيقة… أم عن لحظة تفوق معنوي على الآخر؟”

هذه الأسئلة لا تُجاب بسهولة، لأنها لا تخص فردًا، بل تخص طريقة رؤيتنا للعالم.

خاتمة
في النهاية، لا أحد يطلب تبرير الخطأ، ولا أحد يطلب إلغاء العدالة. لكن بين العدالة والتشفّي مساحة ضائعة اسمها: الرحمة. الرحمة التي لا تعني التساهل، بل تعني الفهم. والفهم الذي لا يلغي الحكم، لكنه يمنعه من أن يتحول إلى قسوة عمياء.
فالمجتمع لا يُقاس بقوته في الإدانة…

بل بقدرته على ألا يفقد إنسانيته وهو يُدين.
لأن أخطر ما في السقوط… ليس السقوط نفسه، بل الطريقة التي ننظر بها إلى الساقطين. في محكمةِ الناس… لا يُسأل الإنسانُ عمّا كان، بل يُدانُ عمّا ظهر. البقاء لمن يعرف كيف يبرر.
لا تُقرأ القلوب، بل تُتداول الوجوه.
ولا تُفهم الحكاية، بل تُختصر في ضجيجٍ سريعٍ ثم تُغلق إلى الأبد.
هنا لا تنفعُ الحقيقةُ إن كانت خافتة،
ولا تنجو الرحمةُ إن لم تكن صاخبة،
ولا يبقى الإنسانُ إن لم يُتقن فنَّ الاختفاء بين عيون الآخرين.

ففي هذا العالم…
لا ينجو من حكمِ الناس إلا مَن عرف كيف يبدّل جلده، أو كيف يصمتُ حتى يُشبهَ الصمتُ نجاته

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى