يَوْمِيَّاتُ كَاتِبٍ مَعَ زَوْجَتِهِ بِقَلَمِ الْأَدِيبِ د. طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةَ

مَرَضٌ لَا يُدِرُّ… وَحَيَاةٌ تُحَاسِبُ… هذا
مَقَالٌ سَاخِرٌ فِي سِيرَةِ كَاتِبٍ وَزَوْجَةٍ تَعْرِفُ الأَرْقَامَ أَكْثَرَ مِمَّا تَعْرِفُ الأَحْلَامَ
أَنَا كَاتِبٌ… وَهٰذَا فِي نَظَرِ زَوْجَتِي مَرَضٌ مُزْمِنٌ لَا يُشْفَى، وَلٰكِنَّهُ — وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ — لَا يُدِرُّ دَخْلًا، وَلَا يَجْلِبُ نَفْعًا، وَلَا يُسَدِّدُ فَاتُورَةً، وَلَا يَدْفَعُ إِيجَارًا، وَلَا يُقْنِعُ بَائِعَ الخُضْرَةِ أَنْ يُؤَجِّلَ الحِسَابَ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى.
فَكُلَّمَا أَمْسَكْتُ أَنَا القَلَمَ، أَمْسَكَتْ هِيَ الآلَةَ الحَاسِبَةَ، وَكَأَنَّ بَيْنَنَا حَرْبًا صَامِتَةً لَا تُسْمَعُ أَصْوَاتُهَا، وَلٰكِنَّ آثَارَهَا تَظْهَرُ فِي نَظَرَاتٍ قَصِيرَةٍ، وَتَنْهِيدَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَحِوَارَاتٍ تَبْدَأُ بِـ«كَيْفَ حَالُكَ؟» وَتَنْتَهِي بِـ«هَلْ دَفَعْتَ؟».
أَنَا أَكْتُبُ لِأَحْيَا… وَهِيَ تَحْسِبُ لِنَعِيشَ.
أَنَا أَرَى الحُرُوفَ أَجْنِحَةً تُحَلِّقُ بِي فَوْقَ وَاقِعٍ مُتْعَبٍ، وَهِيَ تَرَاهَا فَوَاتِيرَ غَيْرَ مَدْفُوعَةٍ تَهْبِطُ بِي إِلَى أَرْضِ الحَقِيقَةِ دُونَ مِظَلَّةٍ.
أَقُولُ لَهَا — وَفِي صَوْتِي شَيْءٌ مِنَ الفَخْرِ —: «الْيَوْمَ كَتَبْتُ نَصًّا هَزَّ الوِجْدَانَ.» فَتَرُدُّ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا عَنِ الدَّفْتَرِ: «جَمِيلٌ… وَمَتَى سَيَهُزُّ فَاتُورَةَ الكَهْرَبَاءِ؟»
فَأَسْكُتُ… لَا عَجْزًا عَنِ الرَّدِّ، بَلْ عَجْزًا عَنِ تَحْوِيلِ القَصِيدَةِ إِلَى عُمْلَةٍ مَعْتَرَفٍ بِهَا فِي الأَسْوَاقِ.
وَفِي مَرَّةٍ أُخْرَى، جَلَسْتُ أُحَدِّثُهَا عَنْ جَمَالِ جُمْلَةٍ كَتَبْتُهَا، قُلْتُ لَهَا: «تَخَيَّلِي أَنِّي قُلْتُ: إِنَّ القَلْبَ بَحْرٌ، وَالحُزْنَ مَوْجٌ، وَالصَّمْتَ سَفِينَةٌ تَغْرَقُ بِلَا صَوْتٍ!»
فَنَظَرَتْ إِلَيَّ نَظْرَةً هَادِئَةً، ثُمَّ قَالَتْ:
«وَهَلْ يَعْرِفُ هٰذَا البَحْرُ طَرِيقَهُ إِلَى دَفْعِ فَاتُورَةِ المِيَاهِ؟»
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَا أُحَاوِرُ زَوْجَةً… بَلْ أُحَاوِرُ وَزَارَةَ المَالِيَّةِ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ. وَكُلَّ مَسَاءٍ، يَأْتِي ذٰلِكَ السُّؤَالُ الَّذِي لَا يَخْطِئُ مَوْعِدَهُ:
«كَمْ كَتَبْتَ الْيَوْمَ؟» فَأُجِيبُ بِحَمَاسٍ: «كَتَبْتُ خَمْسَ صَفَحَاتٍ!» فَتُصَحِّحُ لِي بِهُدُوءٍ مُخِيفٍ: «أَقْصِدُ… كَمْ جَنَيْتَ؟»
وَهُنَا تَتَبَدَّلُ الأَحْرُفُ فِي فَمِي، وَتَتَعَثَّرُ الكَلِمَاتُ، وَأَشْعُرُ أَنَّ اللُّغَةَ كُلَّهَا قَدْ خَانَتْنِي فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ الحَرِجَةِ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، نَشَرْتُ نَصًّا عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، فَحَصَلَ عَلَى مِئَاتِ الإِعْجَابَاتِ، وَتَعَالَتِ التَّعْلِيقَاتُ الَّتِي تَقُولُ:
«أَبْدَعْتَ!»
«مُؤَثِّرٌ جِدًّا!»
«لَامَسَ قَلْبِي!»
فَذَهَبْتُ إِلَيْهَا مُمْتَلِئًا بِالفَخْرِ، وَقُلْتُ:
«انْظُرِي! النَّاسُ تُحِبُّ مَا أَكْتُبُ!»
فَنَظَرَتْ إِلَى الشَّاشَةِ، ثُمَّ إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَتْ:
«مُمْتَازٌ… طَيِّبْ، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَدْفَعَ الإِيجَارَ بِالإِعْجَابَاتِ؟ أَمْ نَحْتَاجُ إِلَى تَعْلِيقَاتٍ أَكْثَرَ؟»
وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسْتُ وَحْدِي، أُفَكِّرُ فِي هٰذَا التَّنَاقُضِ العَجِيبِ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِكَلِمَةٍ أَنْ تُبْكِي إِنْسَانًا… وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُقْنِعَ بَقَّالًا؟
كَيْفَ يُمْكِنُ لِنَصٍّ أَنْ يُحَرِّكَ القُلُوبَ… وَلَا يُحَرِّكَ رَصِيدًا بَنْكِيًّا وَاحِدًا؟ أَهٰذَا خَلَلٌ فِيَّ؟ أَمْ فِي السُّوقِ؟ أَمْ فِي زَوْجَتِي الَّتِي تُصِرُّ عَلَى أَنَّ الحُبَّ لَا يَكْفِي لِشِرَاءِ الخُبْزِ؟
وَالحَقِيقَةُ — الَّتِي لَا أُحِبُّ أَنْ أَعْتَرِفَ بِهَا كَثِيرًا — أَنَّهَا لَيْسَتْ ضِدَّ الأَدَبِ، وَلَا تُعَادِي الكِتَابَةَ، وَلَا تَكْرَهُ الكَلِمَاتِ… هِيَ فَقَطْ تُحِبُّ أَنْ تَرَى هٰذِهِ الكَلِمَاتِ وَقَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى شَيْءٍ يُمْكِنُ وَضْعُهُ فِي الجَيْبِ، أَوْ دَفْعُهُ لِمَنْ يَطْرُقُ البَابَ.
هِيَ لَا تَسْأَلُ: «مَاذَا كَتَبْتَ؟» بَلْ تَسْأَلُ: «مَاذَا فَعَلَتْ كِتَابَتُكَ لَنَا؟» وَلَعَلَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي زَوْجَتِي، وَلَا فِيَّ… بَلْ فِي تِلْكَ الفَجْوَةِ العَجِيبَةِ بَيْنَ مَا يُحَرِّكُ القَلْبَ، وَمَا يُحَرِّكُ الحَيَاةَ.
فَأَنَا أَعِيشُ فِي عَالَمٍ، وَهِيَ تَعِيشُ فِي عَالَمٍ آخَرَ، وَنَحْنُ نَلْتَقِي كُلَّ مَسَاءٍ عَلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ… لِنَخْتَلِفَ بِأَدَبٍ.
وَفِي النِّهَايَةِ، وَبَعْدَ كُلِّ هٰذِهِ المُفَارَقَاتِ، وَكُلِّ تِلْكَ الحِوَارَاتِ، وَكُلِّ هٰذَا الصِّرَاعِ الصَّامِتِ، اِكْتَشَفْتُ حَقِيقَةً بَسِيطَةً… وَلٰكِنَّهَا مُؤْلِمَةٌ قَلِيلًا: لَيْسَتْ زَوْجَتِي ضِدَّ الأَدَبِ… وَلٰكِنَّهَا ضِدَّ أَنْ يَكُونَ الأَدَبُ هُوَ مَصْدَرَ دَخْلِنَا الوَحِيدَ.
وَرُبَّمَا… كَانَتْ مُحِقَّةً أَكْثَرَ مِمَّا أُحِبُّ أَنْ أَعْتَرِفَ.




