الناس… وإنكار الماضي، هل هروب أم خيانة؟

بقلم. ا. غالب الحبكي/العراق
من اعماق الماضي حيث، كانت الحياة بسيطة، وأهلها متقبلون لكل ما فيها، يعيشون في هذا الوطن، وكل منهم قانع ببساطة بما قسم له الله ويكدح ولا يشعر ب، أذكر لكم قصة عن تلاميذ المرحلة الابتدائية في سبعينيات القرن الماضي وبداية الثمانينيات، حين كان معظمهم يرتدون “الدشاديش البازة”، ثم جاءت الحداثة وغيرت ملامح الزمن، والتي استبدلت الدشداشة بـ” الزي الرسمي” القميص والبنطال. ومع هذا التغيير، ظلت الحياة قاسية على معظم الناس .
ومن رموز تلك الأيام، برزت “حقيبة الطالب” التي كانت تعد شيئاً فاخراً ، بألوانها وأشكالها الجذابة، يحمل فيها الطالب كتبه وأدواته المدرسية، ومنها المبراة، القلم، الممحاة، وأحياناً شيء ما من الطعام كالخبز أو الفاكهة… إن توفرت أصلاً، فاكهة أو طماطم.
كانت “الحقيبة الجلدية” في وقتها ضرورية لاناقها وجمال إلوانها الجذابة لكنها باهظة الثمن، ولم يكن بمقدور كثير من ذوي الدخل المحدود اقتناؤها وشرائها لأبنائهم، فكانوا يستعيضون بالاعمال اليدوية، كتلك الحقيبة التي من “الجنفاص” وهو كيس الطحين الفارغ، يقص ويتم خياطته، حسب قياس الكتب، يطرز أحياناً ويترك أحياناً أخرى….كانت وسيلة بسيطة، محلية، جميلة في فكرتها.
اليوم، ونحن نمشي؛ رأيت صديقي يحمل حقيبته على كتفه، قلت له بعفوية: “هذه تذكرني بحقائب الجنفاص التي كان يحملها طلاب الابتدائية في الثمانينيات.” فردّ متنمّراً، منزعجاً “أهلنا لم يصنعوا لنا حقائب من الجنفاص!
كانوا يشترون لنا الحقائب الجلدية! أولئك الذين استخدموا الجنفاص هم فقط أهل القرى والعربان والمعدان!”
للأسف فقد كانت إجابته غير موفقة، والسؤال الذي يطرح نفسه ياترى…. ومن كان لا يسكن القرى آنذاك؟
ونظراً لاجابتة يفضل….السكوت ، خشية أن أستمر في الحديث مع شخص “مهزوم من داخله”، وربما لو واصلت النقاش معه، لتفوه بما هو أسوأ ودون نتيجة من الحديث.
من منكم يتصور أننا في المستقبل الواعد سنحظى بوطن واحد، موحد، مزدهر وآمن، فإنها — يا جماعة الخير — أمنية لا تتحقق. ربما نسي أن هناك من يعمل على هدم المجتمع العراقي وتدميره، ونسي أننا لم نذق طعم الراحة في هذا البلد، ولا عرفنا حياة كريمة في منازل فارهة، ولا ضمنت لنا الحكومة الضمان الاجتماعي والصحي، ولا عشنا بكرامة وعز وشرف.
للأسف، منذ أيام الاحتلال العثماني والبريطاني، مروراً بالملكية، وصراعات الانقلابات والجمهوريات الصراع المحتدم ما بين البعث، وما زال الصراع قائماً، لا نزال نتناطح ونتنازع نتصارع، نهاهيك عن الكدح المميت من أجل لقمة الخبز لنقوت بها لأبنائنا.
فما بال أولئك الذين نسوا الماضي ومحو تاريخهم، حين أمتلت جيوبهم، و أصبح شيء بعد أن كان لا شيء؟..
ثم هل ياترى تمحى ذاكرة الايام بجرة قلم كما نفعل للأجهزة” الحاسوب والهواتف” كي تمرر الأكاذيب على مسامعنا، بينما الحقيقة لا تزال حاضرة، مدفونة، مذبوحة، نرمي بها في خانة الطائفية والتنمر على المكونات الأخرى… كقصة صديقي… والتهم التي إلصقها بـ المعدان والعربان وسكان القرى؟
أنا لن ولا نستطيع بناء وطن وثقافة مجتمع الواعي، وطناً موحداً مثل العراق، وفيه العديد من الطبقات والمكونات من من الشمال بدأ من أكراد الشمال، وأكراد فيليه، وإيزيديون، ومسيحيون، وصابئة، و عرب شيعة، و عرب سنة ونحن نتخلف ونتخاصم وننكر الماضي الذي هو أمتداد لـحاضرنا اليوم.




