رمضان ليس موسماً للاستعراض… بل محطة للنجاة

بقلم: الكاتبة الصحفية شيرين عصام
رمضان لم يكن يومًا موسماً للبذخ، ولا معرضًا للأطباق، ولا سباقًا مفتوحًا بين الموائد والصور والفيديوهات. رمضان في جوهره عبادة، تهذيب، تخفيف أعباء، ومراجعة للنفس قبل أن يكون مراجعة لقائمة الطعام.
ما يحدث اليوم على مواقع التواصل مؤلم نفسيًا بحق. سيلٌ لا ينتهي من الأسئلة:
سنطبخ ماذا؟
كم صنفًا سنعد؟
أي مشروب؟
أي مكسرات؟
أي زينة؟
أي عباية وقفطان؟
خمسون لونًا وصنفًا، وكأن الشهر الكريم تحوّل إلى مهرجان استهلاكي صاخب، لا يراعي ظروف الناس ولا مشاعرهم.
هناك بيوت بالكاد تستطيع تدبير الأساسيات. هناك أسر تُرهقها الأسعار. هناك من ينتظر الراتب أو المعونة. وهناك من يمر بضيق لا يعلمه إلا الله. فكيف يصبح الحديث اليومي عن البط والمحشي والحلويات الشرقية والمكسرات والديكورات الفاخرة أمرًا عاديًا لا يوقظ في البعض ذرة إحساس؟
رمضان شهر المغفرة والرحمة والعتق من النار. شهر الصبر، والتكافل، وكسر شهوة النفس لا إطلاقها.
الصيام لم يُفرض لنجوع نهارًا ثم نُفرط ليلًا. ولم يُشرع لنمتنع ساعات ثم نُغرق موائدنا فيما يفوق الحاجة أضعافًا.
البذخ في زمن الضيق قسوة.
والاستعراض في زمن المعاناة فجور معنوي.
وإغراق الناس في تفاصيل استهلاكية يومية نوع من الضغط النفسي غير المبرر.
ليس المطلوب أن يمتنع القادر عن النعمة، فالله جميل يحب الجمال. لكن المطلوب هو التوازن… والذوق… ومراعاة شعور الآخرين. أن يكون الحديث عن الرحمة أكثر من الحديث عن الوصفات. أن نتنافس في الصدقات لا في أطقم السفرة. أن نفتخر بعدد الأيتام الذين أُطعموا لا بعدد الأطباق التي صُوّرت.
كل البلدان العربية تستقبل الشهر بفرحة روحية؛ فرحة الطمأنينة، لا فرحة الاستعراض.
رمضان تخفيف أعباء، لا مضاعفتها.
سكينة، لا سباق.
خشوع، لا ضجيج.
الإنسان الذي لا يرى إلا مائدته، ولا يسمع إلا صدى رغباته، يفقد شيئًا من إنسانيته.
وانعدام الإحساس آفة… لأنه يقتل معنى المشاركة، ويشوّه روح الشهر الكريم.
فلنُعد لرمضان هيبته.
ولنُخفف الضجيج قليلًا.
ولنترك مساحة لمن يتألم بصمت… أن يصوم بكرامة، ويفطر بطمأنينة، دون أن يُثقل قلبه استعراض الآخرين.




