«كتائب الظلام الرقمية»… حين يتحول التحرش المُحرَّض إلكترونيًا إلى تهديدٍ مباشر للأمن القومي

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أخطر من الرصاصة، لم تعد المعركة تُدار فقط على الحدود، بل على الشاشات الصغيرة التي نحملها في جيوبنا. هناك، في العتمة الرقمية، تنشط ما يُعرف بـ”اللجان الإلكترونية”؛ مجموعات منظمة أو شبه منظمة تستخدم حسابات وهمية أو موجهة لبث خطاب الكراهية، والتحريض، وتطبيع العنف المجتمعي، ومن أخطر صوره: دعم التحرش والتحريض على إيذاء الفتيات غير المحجبات.
هذه ليست مجرد إساءات عابرة على منصات التواصل، بل نمط ممنهج يسعى إلى إعادة تعريف الضحية كمذنبة، وتبرير الجريمة باعتبارها “عقابًا أخلاقيًا”. وعندما يتحول التحرش من جريمة يعاقب عليها القانون إلى مادة للسخرية أو الشماتة أو التحريض، فنحن أمام خلل يمس تماسك المجتمع وأمنه.
التحرش جريمة لا تُبرَّر
بحسب قانون العقوبات المصري المعدّل عام 2014، التحرش جريمة صريحة تستوجب العقاب. لا يُعفي المجرم شكل الضحية أو ملابسها أو معتقدها. هذا المبدأ ليس فقط قانونيًا، بل أخلاقيًا ودستوريًا، يرتكز على حماية الكرامة الإنسانية وحرمة الجسد.
واللافت أن بعض الحملات الإلكترونية تتعمد خلط المفاهيم، فبدلاً من مناقشة القيم المجتمعية في إطار حضاري، تنزلق إلى خطاب تحريضي يُشيطن فئة من النساء، ويصور إيذاءهن كأنه “دفاع عن الهوية”. هذا الانزلاق خطر، لأنه ينقل النقاش من مساحة الرأي إلى مساحة الجريمة.
من خطاب الكراهية إلى تهديد الأمن القومي
الأمن القومي لا يعني فقط حماية الحدود، بل حماية النسيج الداخلي من التفكك. عندما تُستهدف فئة من المواطنات بالتحريض والترويع الرقمي، فإن ذلك يخلق بيئة خصبة للاستقطاب، ويغذي نزاعات اجتماعية قد تتطور إلى عنف حقيقي في الشارع.
كما أن الحملات المنظمة قد تكون مدفوعة بأجندات خارجية تسعى لإشعال الفتن الداخلية، وضرب صورة الدولة في ملف حقوق الإنسان. التاريخ القريب في دول عدة يثبت أن الفوضى تبدأ غالبًا بخطاب كراهية منظم، يتبعه تطبيع للعنف، ثم انفلات أمني.
لماذا تُعد الظاهرة خطيرة؟
تطبيع الجريمة: عندما يُصوَّر التحرش كـ”رد فعل طبيعي”، تتآكل هيبة القانون.
ترهيب الفتيات: يدفع بعضهن للعزلة أو ترك العمل أو الدراسة خوفًا من الوصم.
تشويه الوعي الديني: استخدام خطاب ديني مبتور لتبرير الإيذاء، بينما الدين ينهى عن الأذى والاعتداء.
تفكيك الثقة المجتمعية: إذ تتحول وسائل التواصل إلى ساحات محاكمات شعبية بلا ضوابط.
كيف نتصدى؟
أولًا: إنفاذ القانون الرقمي
تفعيل مواد مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ورصد الحسابات المحرضة، وتتبع التمويل إن وُجد، مع إعلان نتائج التحقيقات بشفافية لردع المتجاوزين.
ثانيًا: دور المنصات
إلزام المنصات بإزالة المحتوى المحرض سريعًا، وتطوير آليات الإبلاغ، وتغليظ العقوبات على الحسابات التي تعيد إنتاج خطاب الكراهية.
ثالثًا: الوعي والإعلام
إطلاق حملات توعية تؤكد أن التحرش جريمة لا علاقة لها بزي الضحية. الإعلام الوطني مطالب بكشف آليات اللجان الإلكترونية، وفضح خطابها، دون الوقوع في فخ إعادة نشر الكراهية.
رابعًا: التربية الرقمية
إدراج مفاهيم المواطنة الرقمية واحترام الخصوصية في المناهج التعليمية، وتعليم الأجيال كيفية التحقق من الحسابات الوهمية، وعدم الانجرار وراء التحريض.
خامسًا: تمكين الضحايا
تسهيل إجراءات الإبلاغ، وتوفير دعم نفسي وقانوني، وحماية المبلغات من التنمر الإلكتروني.
الكرامة خط أحمر
المجتمع القوي لا يُدار بالخوف، ولا تُحفظ هويته بإيذاء نسائه. إن كرامة المرأة – محجبة كانت أو غير محجبة – جزء لا يتجزأ من كرامة الوطن ذاته. وأي خطاب يبرر الاعتداء عليها هو طعنة في جسد الدولة قبل أن يكون اعتداءً على فرد.
المعركة الحقيقية ليست بين زيٍّ وآخر، بل بين دولة القانون ودولة الفوضى. وبين مجتمع يحمي أفراده، وآخر يبرر إيذاءهم.
ويبقى السؤال: هل نسمح للجان إلكترونية مجهولة أن تعيد صياغة أخلاقنا وقوانيننا؟ أم ننتصر لقيم العدالة والإنسانية، ونغلق أبواب الفتنة قبل أن تتحول الكلمات إلى أفعال؟
القرار بأيدينا… ومسؤوليتنا مشتركة.




