مقالات

مسرحة الجدل بين الخضر و إبليس بقلم الأديب المصري د. طارق رضوان جمعة

هنا الزمان عام ٢٠٢٦.
المكان: جزيرة ابستين حيث كانت مركزًا لجرائم إبستين، واستدراج فتيات قاصرات لإقامة حفلات خاصة لشخصيات نافذة.

الشخصيات : أنا و الخضر والشيطان يسترق السمع لحوارنا ومعه جنوده من الجن وعلية القوم.

فى لقاء يحمل الكثير من علامات الاستفهام. في أزمنة الغفلة، حيث يعتقد البعض أن الحقائق القديمة قد تلاشت، وأن الأقنعة قد سقطت، يظهر الخضر فى مناظرة مع الشيطان.

الخضر هو رجل طويل القامة، ذو لحية بيضاء طويلة، وعينين براقتين مثل النجوم في ليلة صافية. وجهه مشرق بالهدوء والسكينة، وكأنه يحمل سرًا كبيرًا في قلبه. يرتدي ثوبًا أبيضًا نقيًا، وكأنه قطعة من القمر. يمشي ببطء وهدوء، وكأنه يحمل العالم على كتفيه. عندما يتكلم، تكون كلماته مثل العسل، تتدفق من فمه مثل النهر، وتملأ القلب بالسعادة والطمأنينة.

بينما الشيطان هو رجل قصير القامة، ذو عينين حمراوين مثل الجمر، ووجهه مشوهًا مثل وجه الثعبان. يرتدي ثوبًا أسودًا قاتمًا، وكأنه قطعة من الظلام. يمشي بتحرك سريع، وكأنه يبحث عن فريسة. عندما يتكلم، تكون كلماته مثل السم، تتدفق من فمه مثل الحمم، وتملأ القلب بالخوف والقلق. عيناه تلمعان بالشر، وكأنه يرى العالم كله فريسة له.

يأتي الخضر ليقول لنا: “من يظن أنني ماضٍ فهو اثم. ‘إنني الخضر، الحكمة التي تسير على قدمين، والهداية التي تأتي في الوقت المناسب. أنا الخضر تجدنى فى وجوه لا تحبها وفى أفعال لا تعجبك ومواقف موجعه لك. وكلهم خُلِقوا بتدبير من لدن حكيم عليم ليلقنوك درسًا ويعيدوا صياغتك وتكوينك ونضجك. أنا الخضر ترانى فى صياد سمك صبور. وترانى فى بائع فظ غليظ الخلق فى السوق فيكسر وهمك عن الأخلاق الكريمة ليقيم فيك ميزان الصدق. انا الخضر ترانى فى من يؤذيك دون تبرير ليكسر فيك يقين زائف أو يُنهى تعلقك بمن كان يمكنه هلاكك لو دام قربه لك. أنا الخضر الحكيم، وحكمتى لا تعتذر عن الألم ، فأنا هنا وهناك لا لأربى شعورك بل جئت لأعيد ميزانك. أنا هنا لا لأنال إعجابك، بل لأشهد على استقامتك بعد خوض التجربة.

فالحكمة لا تأتى على لسان ناعم أو من قدوة أو من فعل يرضى اذواقنا. انا الخضر أصيب الروح بشرخ تنتظره السماء ليكن نافذة خفية تتلقى منها النور الربانى. لكنك إن رأيت المك بعين نفسك لن ترى إلا الدماء النازفة والجراح، ومن هنا ستشعر بالشقاء ولن ترضى حياتك أو عن ربك، لكن عليك أن تُبصر بعين قلبك لترى فى كل شق وكل كسرة ضوء من نور الله تلك النور الذى وهبك إياه وخصك به. فلا تجعل من جرحك بداية سقوط ولكنها نقطة صعود. فمتى صفت روح بلا ألم؟! واحذر أن تظن أن النور منك فحينها تنقلب البركة إلى فتنة. فالنور والمدد من الله. اسمح للنور بداخلك أن يذوب فى النور الأكبر. فكل ألم لم يرفعك إلى مقام فهو عبء ثقيل، فأصنع من ألمك سُلمًا خفيًا للصفاء. فليس كل ألم خسارة وإنما أحيانًا هو ختم إصطفاء ليخرج منك كنزًا دفينًا.

وفي ظلال الظلام، حيث يعتقد البعض أن إبليس قد تم طرده من الجنة ولم يعد يمثل خطرًا، يأتي إبليس وجنوده ضاحكًا مستبشرًا ساخرًا من حكمة الخضر وقوله ليقول لنا: “من يظن أنني قد انتهيت فهو واهم”. إنني إبليس، الشيطان الذي لا يهدأ، ولا يمل، والذي يسعى دائمًا إلى إغواء الإنسان وإبعاده عن طريق الحق.

أنا الشيطان الذى يجبر كسر بنى أدم المتعطش للمعرفة والسلطة والمال. فلا حاجة لأبن آدم لحكمة الخضر الموجعه، إنما هم يعبدونى لأنى أحقق أمالهم وبين وبينهم عقد الدم. أنا الشيطان إلى أغرى د. فاوستس فباع نفسه لى لأنه أراد شهوة العلم والشهرة والسلطة. أنا وجنودى من أغريت بنى البشر وأقنعتهم أنهم يحصلون على ما يريدون بينما هم لم يحصدوا سوى الخراب وأنا الفائز الوحيد. أنظر حولك لترى من جنودى من البشر: هذا رجل أعمال وهذا سياسى بارز وهذا رئيس وهذا أديب وجميعهم أصحاب كلمة ونفوذ. فما رأيك أن تنعم معنا وتنضم لنا وتكسب دنيتك وتحذو حذو من سبقك؟

الخضر رد عليه: “إنك لا تملك إلا أن تغوي، ولكن الله يملك أن يهدي. إنك لا تملك إلا أن تضل، ولكن الله يملك أن يرجع”.

إبليس ضحك مرة أخرى وقال: “سنرى من سيفوز في النهاية
وأنا أرى كما يرى من يلهمه الله الصواب أننا في هذه الأزمنة، حيث يختلط الحابل بالنابل، وحيث يصعب التمييز بين الحق والباطل، يأتي الخضر وإبليس لنا ليقولا : “إننا لم ننته، وإننا لم نمض، وإننا ما زلنا نعمل في هذا العالم”. فالحلال جلى والحرام واضح. والله الهم كل نفس فسوقها وتقواها.

فهل نستمع إلى كلماتهم، وهل نتعلم من دروسهم، أم سنظل في غفلتنا، ونظن أننا قد وصلنا إلى النهاية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى