﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾… حين يُعاد إنتاج التحايل باسم التطوير

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
لم تكن جريمة النسِيء في الجاهلية مجرد تغييرٍ في التقويم، بل كانت جريمة فكرية قبل أن تكون زمنية؛ تحايلٌ على أمرٍ إلهي صريح، وتبديلٌ للثوابت وفق الهوى والمصلحة، مع الاحتفاظ بالمظهر الديني الخادع.
ولهذا جاء الحكم القرآني قاطعًا لا لبس فيه:
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾.
النسِيء لم يكن إنكارًا للشهر الحرام، بل تأخيرًا له.
لم يكن رفضًا للشرع، بل إعادة ترتيبٍ له.
وهنا كانت الكارثة.
من تحايل الجاهلية… إلى تحايل العصر الحديث
حين نعود للآية، ندرك أن الخطر لا يكمن في كسر النص، بل في تطويعه.
في تقديم ما أُخِّر الله، وتأخير ما قُدِّم، تحت لافتات براقة:
“مصلحة الناس”
“تنظيم الوقت”
“مواكبة العصر”
وهو المنهج ذاته الذي حذّر منه القرآن.
ومن هذا المنطلق يثور الجدل المشروع حول قرار تأخير موعد صلاة الجمعة في دولة الإمارات، ليس من باب الخصومة السياسية، بل من باب السؤال الشرعي والفكري:
هل يجوز التعامل مع شعيرة مركزية جامعة بهذا القدر من المرونة الزمنية، وكأنها بند إداري قابل لإعادة الجدولة؟
صلاة الجمعة ليست موعدًا… بل إعلان سيادة
صلاة الجمعة في الإسلام:
شعيرة توقيتية محددة
رمز وحدة الأمة
إعلان أسبوعي لسيادة الشرع على إيقاع الحياة
ولذلك قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
لم يقل: إذا نُظِّمت…
ولا إذا عُدِّلت…
ولا إذا ناسب الجدول الاقتصادي…
الخطر الحقيقي: شرع يُدار بعقلية إدارية
المشكلة ليست في الإمارات كدولة، ولا في شعبها، ولا في نوايا القائمين على القرار،
بل في المنهج:
منهج يجعل النص تابعًا للواقع
بدل أن يكون الواقع تابعًا للنص.
وهذا بالضبط هو النسِيء المعاصر:
لا نُلغي الحكم… بل نؤجله
لا نُنكر الشعيرة… بل نُعيد توقيتها
لا نكسر النص… بل نُفرغه من هيبته
التحذير القرآني ما زال حيًّا
القرآن لم يُسجّل واقعة تاريخية، بل وضع قاعدة خالدة:
أن العبث بالثوابت الدينية — ولو بحسن نية — يفتح باب الانزلاق من حيث لا نشعر.
فالشرع لا يُدار بالتجربة،
ولا يُعدَّل تحت ضغط الاقتصاد،
ولا يُؤجَّل باسم التطوير.
الخلاصة
حين تُؤخَّر شعيرة ثابتة بزعم التنظيم،
وحين يُعاد تعريف المقدّس بمنطق السوق،
نكون قد اقتربنا – دون أن نشعر – من جوهر النسِيء الذي أدانه الله.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾
آية لا تتحدث عن الماضي…
بل تحاكم الحاضر.




