مسرحة الإرهاب عبر العصور

بقلم الأديب المصرى
د/طــارق رضــوان جمعة
تعريف الأدب يبدأ بأنه رياضة النفس على ما يُستحسن من سيرة وخلق، وتعليم برواية الشعر والقصص والأخبار والأنساب.
وهنا ينشأ السؤال: لماذا نقرأ الأدب؟ نقرأ الأدب للمتعة في المقام الأول، ولتزجية أوقات الفراغ، ومنهم من يُقبل عليه ابتغاءَ الفرار من عالمه الذاتي وولوج عوالم الآخرين. وكثيراً ما نقرأ الأدب طلباً للمعرفة والاطِّلاع؛ لنجد الحلول لمشاكلنا الشخصية عبر سطور الأدب. وما أكثرَ ما يساعدنا الأدب على فهم مواقفَ عَجزْنا عن فهمها في الحياة الواقعية.
ولكن لماذا ينشئ الأديب أدبه؟ إن من الأدباء من يُعبر عن عواطفه وأفكاره أو لمجرد الرغبة في إنتاج أثر فني، وأصبح الأدب وسيلةً لتحليل النفس البشرية أو منبراً للنقد الإجتماعي والدعوة إلى الإصلاح أو الثورة. ويُقسم الأدب، تقليدياً، إلى «نثر» و«شعر» والنقاد الغربيون يقسمونه إلى «أدب تخييليّ» fiction، مثل الروايةَ novel، والأقصوصة أو القصة القصيرة short story، والأدب المسرحي drama، والشعر poetry.
و «أدب لا تخييليّ» nonfiction. ويشمل المقالةَ essay، والسِّيرة biography، والسِّيرة الذاتية autobiography، والنقد الأدبي literary criticism، وغيرها.
لم يكن من السهولة أنْ أكتب عن المسرح والإرهاب ، ذلك أنَّ العلاقة بين الأثنين تبدو بعيدة، ورُب سائل يسأل، هل هناك علاقة بين المسرح والإرهاب؟
ففي القرآن الكريم ينصرف معنى الإرهاب الى ما ورد في الآيات القرآنية التي تأتي بمعنى الخشية من عقاب الله تعالى ، فقد ورد في قوله تعالى (وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكُم وإياي فأرهبون). وورد (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين). كما يأتي الإرهاب في القرآن الكريم بمعنى الردع العسكري فقد ورد (ترهبون به عدوا الله وعدوكم وآخرين من دونهم) وجاء أيضاً (واسترهبوهم وجاءوا بسحرٍ عظيم) .
فمنذ الخليقة والإنسان يعيث في الأرض فساداً، وسفكاً للدماء، ولعل ذلك ما دفع الملائكة إلى القول ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) وفي التاريخ العربي الإسلامي انتشرت بعض مظاهر العنف المنظم، فقد اُغتيل الخليفة عمر بن الخطاب ، والخليفة عثمان بن عفان والإمام علي بن أبي طالب، والحسن بن علي، لتحقيق غايات سياسية. كما اُنتشر في بعض مراحل التاريخ العربي ما يمكن أن نطلق عليه إرهاب الدولة، فقد عُرف عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه كان يعرض جثث المقاتلات من الخوارج عارية في الأسواق لردع النساء من الإنضمام إليهم.
الإرهاب الحديث لم يظهر إلا في المجازر التي أعقبت الثورة الفرنسية الممتدة بين الأعوام ١٧٨٩ إلى ١٧٩٩.
يؤكد العديد من الأدباء والمثقفين على خطورة الإرهاب الذى يكشف عن الوجه القبيح في مصادرة والإبداع والرأي الأخر، مشيرين إلى أن إنعدام الأمن وعدم الإستقرار. فعندما أهملنا الثقافة خرج إلينا العديد من الشباب المتطرفين الذين يحملون أفكاراً تنبذ المجتمع وتنبذ فكرة التعايش والسلم الإجتماعي.
علاقة المسرح بالإرهاب:
لأنَّ المسرح يدعو إلى الفضيلة، كان وما يزال يشكل الوجه الحقيقي للمجتمعات الحضارية المتمدنة والبدائية البسيطة على حدٍ سواء. ، وحتى فترة القرون الوسطى التي حاربت المسرح، سارعت فيما بعد لإستقطاب المسرح واستثماره في الدعوة التبشيرية، وذلك لإيمانهم المطلق بأهمية دور المسرح في نشر الثقافة، والمعرفة، والعلوم، والأديان. ودليلنا في ذلك الطقوس الدينية القديمة وتقديم القرابين للآلهة كما في الحضارة اليونانية، وفي الحضارة البابلية والفرعونية مما يدل على أهمية المسرح في المجتمعات الإنسانية.
المسرح يسعى لتقديم الأفعال التي تمر بها الإنسانية، إيجابية وسلبية، والإرهاب بمعانيه المتعددة كان حاضراً في مسيرة المسرح من بدايته إلى يومنا هذا. لذلك تناوله المسرح وأدانه، لأنَّ المسرح هو المتصدي والمدافع لإرساء الفضيلة وتحقيق حقوق الفرد، وعلى سبيل المثال لا الحصر أول ما تناول الإرهاب في المسرح الكاتب اليوناني (يوربيدس) في مسرحيته (نساء طروادة) التي تحدثت على سبي النساء اللواتي حضرن (الكسندرا) و (هيلين) و (أندروماك)، وما فعلته الحروب من سبي الأسيرات والإرهاب الذي مورس بحقهن.
وأغلب مسرحيات شكسبير جاءت إدانة للإرهاب ودعوة للفضيلة والحب والأمان، ففي مسرحية (ماكبث) هذا الطامع وحبه للسلطة، وغدره، وقتله الملك (دنكن) برفقة زوجته (الليدي ماكبث)، كان يبحث عن السلطة بإستعماله شر الطرق للوصول إلى مبتغاه، لكنه أدرك فيما بعد أنَّ جلَّ ما يسعى إليه الإنسان هو فضيلة الأمان، إذ يقول: ليس العبرة في أنْ تكون ملكاً بل العبرة في أنْ تكون آمناً، وهذه الفضيلة التي سعى اليها (شكسبير) هي عكس الإرهاب حيث الفزع والخوف.
وكذا الأمر حصل في مسرحياته الأخرى مثل (تاجر البندقية)، إذ يذهب اليهودي (شايلوك) لإرهاب (أنطونيو) والمجتمع بأسره وهو يروم أسترجاع قرضه من (أنطونيو) بأخذ ثلاث أرطال من اللحم من قلبه بناءاً على الإتفاق السابق بينهم، لكن روح المسامحة وروح المحبة هي التي تغلبت في نهاية المطاف.
أما في مسرحية (روميو وجوليت) الذي طغت المحبة والإثار على كل أنواع الشر والكراهية، فكانت عنواناً للمحبة والأمان، والمسرحية هذه ظلت ترخي بظلالها على جميع المجتمعات الإنسانية.
ومن الجدير بالذكر أنَّ أغلب الفرق المسرحية التجريبية الحديثة العالمية جعلت من المواضيع السياسية، ومعاناة الشعوب عنواناً لتجاربهم، أمثال فرقة المسرح الحي لـ(جوديث ملين)) وفرقة المسرح المفتوح لـ(جوزيف شايكن) والمسرح البيئي لـ (ششنر). وقدم العراقى (جواد الأسدي) مسرحيته تأليفاً وإخراجاً (نساء في الحرب) ليتطرق لموضوع الإرهاب الذي حلَّ في العراقيين.
ختامًا، فكما قال الشاعر: “المسرح مرآة المجتمع”،
يُحيي القلوب ويُبدد الظلام،
به تتحقق الأحلام، وتُعبر الأجيال عن آلامها وآمالها
هو لغة العواطف، وصدى الألم، ودافع للتغيير نحو الأفضل”.




