مقالات

لا مغلفة بالكريم كراميل.. بقلم دكتورة شيرين خليل

في زمنٍ يتقن فيه البشر فنَّ التزيين أكثر من إتقانهم فنَّ المواجهة، صرنا نضع السكر على كل شيء… حتى على الجراح، نغلف الألم بكلمات لطيفة، ونقدّم الخيبة في أطباق من الضحك، ونقنع أنفسنا أن المرّ يمكن احتماله إذا أضفنا إليه قليلًا من التحلية. لكن الحقيقة البسيطة، التي نحاول الهروب منها دائمًا، أن بعض الأشياء لا تُحل بالكريم كراميل.

نعيش اليوم في ثقافة “كل شيء على ما يرام”، حتى حين لا يكون كذلك. ثقافة تبتسم للانكسار، وتضع فلترًا على الحزن، وتسمّي الهروب “تجاوزًا”، وتسمّي الكبت “قوة” كأننا اتفقنا ضمنيًا أن لا نرى الألم، بل أن نُجمّله، لا أن نعالجه.

المشكلة ليست في التحلية ذاتها، فالحياة تحتاج أحيانًا إلى بعض السكر كي تُحتمل، لكن الكارثة حين يتحول السكر إلى بديل عن العلاج، والضحك إلى قناع دائم، والإيجابية إلى إنكار صريح للواقع. هناك فرق شاسع بين أن نخفف عن أنفسنا، وبين أن نخدعها.

كم مرة قيل لنا: “فكّر بإيجابية”، بينما المطلوب في الحقيقة هو أن نفكر بصدق؟

وكم مرة سمعنا: “تجاهل الألم”، بينما الألم لا يُشفى بالتجاهل، بل بالفهم والمواجهة؟

نحن لا نحتاج دائمًا إلى كلمات لطيفة، نحتاج أحيانًا إلى كلمات حقيقية. لا نحتاج من يربّت على أكتافنا، بل من يعلّمنا كيف نقف من جديد. فبعض السقوط لا يُجبر بابتسامة، وبعض الخسارات لا تُعالج بعبارة تحفيزية، وبعض الجراح لا يليق بها السكر.

في العلاقات، في الأحلام، في العمل، في الحياة كلها… نميل إلى اختيار النسخة المُزينة من الحقيقة. نحب الأشياء التي تبدو جميلة حتى لو كانت فارغة، ونخاف من الأشياء الصادقة لأنها غالبًا موجعة. نفضّل الوهم المريح على الحقيقة الثقيلة، وننسى أن الراحة المؤقتة قد تؤجل الألم لكنها لا تلغيه.

ليس المطلوب أن نعيش قساة، ولا أن نكره الفرح، بل أن نتوقف عن خداع أنفسنا، أن نسمح للألم أن يأخذ مساحته الطبيعية، لا أكثر ولا أقل. أن نعترف بأن بعض المراحل مُرة بطبيعتها، وأن النضج لا يأتي من التحلية، بل من التقبّل.

فليست كل مرارة تحتاج سكرًا،
وليست كل أزمة تحتاج ضحكة،
وليست كل مشكلة تُحل بالكريم كراميل.
أحيانًا… ما نحتاجه فعلًا، هو أن نتذوّق الحقيقة كما هي:
مرة، ثقيلة، لكن صادقة.
والصدق وحده، مهما كان قاسيًا، أرحم من ألف وهم مُحلّى.

 د / شيرين خليل
أخصائي التوحد وصعوبات التعلم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى