رفعت الجلسة.. بقلم الأديب المصري د. طارق رضوان جمعة

في ليلة ظلماء، حيث كان السواد يلف الشوارع بغلاف من الخوف، كنت أسير عبر الحقول فى طريق مختصر للذهاب إلى بيتى بعد يوم عصيب ورحلة عمل شاقة، أمشى وحيدًا، فجأة ظهر لى صوتًا يهمس باسمى ” طارق.. طارق”. استدرت يمينًا ويسارًا، لا أرى أحدًا ونور المحمول لا يساعدنى على المزيد من الرؤية. فمشيت وبداخلى خوف لكننى ظننت أنى واهم وأن هذا من أثر الإجهاد. لكن الصوت بعد دقائق عاد مرة أخرى، فأيقنت أننى لا أتخيل وأن الأمر واقع.. فماذا أصنع وما من مغيث إلا الله. أنا أعلم أن الجرى لن يفيدنى فالحقول واسعة وكبيرة، بالإضافة إلى أننى لا أريد لهذا المجهول أن يلمح خوفى ورعبى. ولتحقيق هذا لم أجد قبل قراءة بعض سور القرآن إلا أن أجعل الأمر يبدو فكاهيًا.
فناديت (بشكل ساخر ومضحك) أنت مين؟
رد الصوت: ” أنا القادم إليك من بعيد… أنا العفريت المكلف بتأديبك وقتلك.”
طبعًا أنا بينى وبين نفسى أريد البكاء كالصغار، لكنى بحمد الله تماسكت وانا أردد بعض الأيات فى سرى فقولت:” أهلًا وسهلًا فرصة تونسنى وأنا ماشى لوحدى”
رد العفريت: “ما جئت لتمازحنى فأنا من كبار الجن ومكلف بتدميرك فى أعماق المحيطات أو إرسالك الفضاء الشاسع أو تحويلك لحيوان.”
طارق: “أتاتى من العدم لأجل مخلوق ضعيف مثلى، وأنت من كبار الجن البارزين؟! ماذا صنعت لك؟ دعنى اراك”
فظهر الجنى ماردًا عملاقًا يرتدى جلباب طويل ذو أكمام طويلة وجهه أسود لا يظهر ملامحه من سواد الليل البهيم.
طارق: ( يتلعثم يا ليتنى لم اطلب رؤيته … يا ليلة سودا) هو أنا ضريتك فى أيه؟”
العفريت: “لك جار ساحر وهو صديق مخلص لنا يكره ما تصنع من خير ويرى طيبتك ألم يحرق جلده ويعذب ضميره ويريد أن يتخلص منك، حتى يهنأ.”
طارق: ” وهى الطيبة حرام ومساعدة الناس غلط؟!”
العفريت: ” أنا أعلم أنها ليست غلط ولكن الزمن هو الذى أختلف عما تربيت أنت عليه، أمامك خياران أما أن تعيش فى حالك دون بذل الخير للغير وبهذا تعيش فى راحة بال وتتكيف مع المجتمع الذى يراك غريبًا عنه أو أن اخسف بك الأرض إذا أصررت على خرافاتك من سقى الماء وإطعام الطعام وازعاج الناس بصوت غلق بوابة بيتك وأنت ذاهب لصلاة الفجر. فما قولك؟”
طارق: ” لاء طبعا أنا صح وربنا أمرنا بالخير. ومفيش سجن ولا إعدام دون محاكمة عادلة ده ربنا اسمه العدل”
العفريت: ” يبقى إيدك فى ايدى ننزل فى رحلة لعالم الجن قبل ما أتخلص منك لازم تتحاكم على جريمة طيبة نيتك وتخلفك اللى انت متهم بهما”
طارق: ” أنت بتهزر؟” لكن فجأة فقدت الوعى واستيقظت وجدت نفسى فى قصر من ذهب ومرمر، جدرانه مزينة بالياقوت والزمرد، والأرض مفروشة بسجاد من حرير أخضر. في وسط القاعة، عرش عظيم من الألماس، عليه جالس ملك الجن، متوجًا بتاج من نور. الشموع التى تحيط بالعرش يسطع منها نور أزرق غامض، والهواء مليء برائحة البخور والعنبر.
وخلف ملك الجن ثلاث قضاة الأول يهودى والثانى مسيحى والثالث مسلم. فتقدم اليهودى بكرسيه وقال ما دفاعك؟
طارق: “سيدي القاضي، أنا عارف إن الدين اليهودي بيدرس العدالة والإنصاف. أنا أطلب من حضرتك تحكم بالعدل والرحمة، زي ما بتطلب التوراة. أنا لم اتعمد ظلم أحد ويمكنك التحرى عما فعلته.” … ورجع القاضى اليهودى لمكانه خلف الملك. ثم تقدم القاضى المسيحى وقال كم من جرائم يرتكبها بنى الإنسان تحت راية الطيبة وحسن النية يفسدون فى الأرض دون علم ويعكرون صفو الحياة ويعصوا الله فما قولك؟
طارق: “سيدي القاضي، قال المسيح في الإنجيل: ‘طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون’ (متى ٥: ٧). أنا أطلب من حضرتك تحكم بالعدل والرحمة، زي ما بيطلب الإنجيل.”… “لا تدينوا لكي لا تُدانوا” (متى ٧: ١)… “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم” (متى ٥: ٤٤)
فرجع لمكانه خلف الملك وتقدم القاضى المسلم بابتسامة تطيب لها النفس فقال: ” إما أنك صادق أو شخص ذكى وماكر وقد أرسلنا لنرى حال جيرانك وما يقولونه عنك أثناء غيابك واستضافتنا لك هنا فإن قالوا خيرًا عنك تركناك تعود لأهلك أمنًا معافى وإن كان العكس فهنا ستلقى حتفك فما قولك؟
طارق: “سيدي القاضي، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ‘إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ’ (الأعراف: ٥٦). أنا أطلب من حضرتك تحكم بالعدل والرحمة، زي ما بيطلب الإسلام.” “وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الحجرات: 9)
“الرحمة للضعيفين: المرأة والطفلفأنا زوج وأب لأبناء يحتاجون رعايتى. إن الله يحب الرحيمين.
وتم عقد جلسة المشاورة فى أمرى. وجاء رسل متتاليه ومعهم تقارير عنى وعما قاله الأهل والجيران. ودون اى لفظ وجدت نفسى فى مكان قريب من بيتى وفى يدى حقيبة مال كثير وصار لى قدرات خاصة لكنى لم أخبر أحد عنها واستخدمتها فى الخير وللخير. الغريب أنى لم أعد أرى جارى وكنت أنوي أن أحاول إصلاحه.
وختامًا فشياطين الإنس أخطر من شياطين الجن. والعفاريت هو رمز لما يسكن كل نفس خبيثة لا تحب الخير للغير. ولا يؤمن بالله من لا يأمن جاره بوائقه. فاذكروا الله عودوا إلى طريق الهدى والمحبة.




