حرفي سكيرًا.. بِقَلَمِ الأَدِيبِ الدُّكْتُورِ طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةَ

يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ تُغادرُني الحِكمةُ، وتبقى العاطفةُ سيّدةَ الموقف، حينَ لا أختارُ كلماتي… بل تختارُني، وتنسابُ منّي كأنها اعترافٌ لا يقبلُ التأجيل.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ يختلُّ ميزانُ اللغة،
فلا يعودُ للنحوِ سلطان، ولا للمنطقِ مكان، ويصيرُ الخطأُ صدقًا… ويصيرُ الصمتُ خيانة.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أكتبُكَ…
لا اسمًا يُقال، بل شعورًا يُعاش، فأُبعثرُ المعاني على هيئةِ نبض، وأجمعُها على هيئةِ وجع.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ يضحكُ في موضعِ البكاء، ويبكي في حضرةِ الذكرى، فلا تدري أهو حبٌّ ينجو… أم قلبٌ يوشك أن يغرق.
فإن قرأتَ حرفي يومًا، ووجدتَه لا يستقيم… فلا تُصلحه، فبعضُ الحروفِ… لا تكونُ جميلةً
إلا وهي ثملة.
فحينَ لا أعودُ أنا … يكونُ حرفي سكيرًا. وحينَ يتقدّمُ الشعورُ إمامًا
وتتبعهُ روحي ساجدةً بلا وعي.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أذوبُ في المعنى كما يذوبُ الضوءُ في عينِ العاشق، فلا أفرّقُ بيني وبيني…
ولا بينكَ وبين اللهفةِ في صدري.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أفنى عمّا أعرف، وأبقى بما لا أُدرك، كأنِّي أُلقى في بحرٍ بلا شاطئ ولا أطلبُ النجاة.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ يُناديني الغيابُ باسمك، فأُجيبُه… وكأنَّ الحضورَ كذبةٌ لطيفة، وأنَّ الفقدَ هو اليقين.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أرتكبُك صلاة، وأُخطئ في القبلة… فلا أعودُ أدري: أكنتُ أعبدُك؟ أم أبحثُ فيك عن وجهي الضائع؟
فإن سألوك عنّي… فقل: هذا رجلٌ شربَ من المعنى حتى غاب، فلم يَعُد يكتبُ حروفًا… بل يكتبُ فناءه.
حرفي سكير — وجع إنساني: يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أتظاهرُ بالقوة،
بينما في داخلي شيءٌ ينهارُ بصمتٍ مُهين.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أكتبُ لكَ،
لا لأنني أُجيدُ البوح… بل لأنني أعجزُ عن الاحتمال.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أرتّبُ الكلماتِ كأنها بخير، بينما المعنى مُبعثرٌ في صدري كزجاجٍ مكسور.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أضحكُ في السطر، وأبكي بين الحروف، فلا القارئُ يفهمني… ولا أنا أستطيعُ أن أشرح.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أُقنعُ نفسي أنني تجاوزت، ثم يفضحني سطرٌ صغير… فأعودُ لنقطةِ الوجع الأولى.
يكونُ حرفي سكيرًا… حينَ أكتبُ اسمك وكأنني أستدعي خسارتي،
لا حُبّي. فإن قرأتَني يومًا… ولم تفهمني، فلا تُتعب نفسك، أنا أيضًا…
لا أفهمُ كيف ما زلتُ حيًّا بكل هذا الكسر.




