“الأُرَاجُوزِ… بَيْنَ القِنَاعِ وَالمَعْنَى” بِقَلَمِ الأَدِيبِ الدُّكْتُورِ طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةَ

أَنَا الأُرَاجُوزُ… لا كَمَا تُبْصِرُونَ، بَلْ كَمَا يَتَوَارَى المَعْنَى خَلْفَ العُيُونْ؛
أَضْحَكُ—وَفِي ضَحِكِي دُمُوعٌ مُسْتَتِرَةٌ، وَأَرْقُصُ—وَفِي خُطْوِي قَيْدٌ مَسْتُورٌ وَمَكْنُونْ.
وَجْهِي قِنَاعٌ… لَا يَحْكِي حَقِيقَتِي، بَلْ يُخْفِي انْكِسَارِي، وَيَسْتُرُ أَسْرَارِي،
وَقَلْبِي طِفْلٌ… كُلَّمَا صَدَّقَ الحُبَّ، عَادَ بِخَيْبَةٍ، وَقَالَ: لَعَلَّهُ المِرَارِي!
فِي بَحْرِ الغَرَامِ… مَا كُنْتُ سَابِحًا، بَلْ غَرِيقًا يُصَفِّقُ لَهُ الجُمْهُورُ،
كُلَّمَا ضَاقَ النَّفَسُ فِيهِ، زَادَ التَّصْفِيقُ، وَازْدَادَتْ عَلَى صَدْرِهِ السُّدُورْ.
لِمَ الحُلْمُ يَبْعُدُ؟ لِأَنِّي أَبْحَثُ عَنْهُ خَارِجِي، وَهُوَ فِيَّ يَسْكُنُ وَيَدُورْ،
وَلِمَ الفَرَحُ عَابِرٌ؟ لِأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْلِكَهُ، وَهُوَ لَا يُمْلَكُ… بَلْ يَمُرُّ كَالنُّورْ.
أَنَا الأُرَاجُوزُ… بَيْنَ حُرِّيَّةٍ تُوهِمُ، وَقَيْدٍ يَتَخَفَّى،
أَمْدُّ يَدِي لِلْخَيْطِ أَظُنُّهُ مِلْكِي، فَإِذَا بِهِ يَلْتَفُّ حَوْلَ عُنُقِي وَيَتَوَفَّى فِيَّ وَيَتَجَلَّى.
أَقُولُ: أَنَا… فَتَتَّسِعُ المَسَافَةُ بَيْنِي وَبَيْنِي،
وَأَبْحَثُ عَنِّي… فَلَا أَرَى إِلَّا صَدًى لِصَوْتٍ لَيْسَ مِنِّي.
الدَّوْرُ لَيْسَ مَا أُؤَدِّيهِ، بَلْ مَا يَمُرُّ بِي دُونَ اخْتِيَارْ،
وَلَيْسَ الحُبُّ مَا أَعِيشُهُ، بَلْ مَا يُجَرِّبُ نَفْسَهُ فِيَّ ثُمَّ يَغِيبُ كَالأَسْرَارْ.
كُلَّمَا خَلَعْتُ قِنَاعًا، وَجَدْتُ آخَرَ أَعْمَقْ،
وَكُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنِّي وَصَلْتُ، اكْتَشَفْتُ أَنَّنِي أَبْعَدُ وَأَغْرَقْ.
حَتَّى تَعِبْتُ مِنَ الوُجُوهِ… فَتَرَكْتُهَا،
وَسَكَنْتُ مَا لَا وَجْهَ لَهُ… حَيْثُ لَا ضَحِكَ يُطْلَبُ، وَلَا حُزْنَ يُخْفَى، وَلَا “أَنَا” تُذْكَرُ أَوْ تُنْسَى.
هُنَا… الحُبُّ لَيْسَ عَاشِقًا وَلَا مَعْشُوقًا،
بَلْ تَجَلٍّ يَمُرُّ فِي صُورَةِ قَلْبٍ… ثُمَّ يَمْضِي، دُونَ أَنْ يَبْقَى مَوْثُوقًا.
أَنَا الأُرَاجُوزُ… كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ لِي دَوْرًا،
حَتَّى عَلِمْتُ أَنَّ الدَّوْرَ هُوَ الَّذِي يَقُولُنِي، وَيَكْتُبُنِي سَطْرًا بَعْدَ سَطْرٍ… ثُمَّ يَمْحُونِي سُطُورًا.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَمْشِي… فَإِذَا بِالمَشْيِ يَمُرُّ بِي،
وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أُدْرِكُ… فَإِذَا بِالإِدْرَاكِ يَخْتَفِي.
فَإِذَا سَأَلْتُ: أَيْنَ أَنَا؟ قِيلَ: فِي العُبُورْ،
وَإِذَا قُلْتُ: مَا دَوْرِي؟ قِيلَ: أَلَّا تَدَّعِي الحُضُورْ.
فَتَرَكْتُ التَّمْثِيلَ… لَا عَجْزًا، بَلْ فَهْمًا،
وَرَضِيتُ بِالصَّمْتِ… لَا هَرَبًا، بَلْ عِلْمًا.
وَصِرْتُ مِرْآةً… إِنْ صَفَتْ، رَأَى الوُجُودُ نَفْسَهُ فِيهَا،
وَإِنِ اخْتَفَتْ… عَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا.
أَنَا الأُرَاجُوزُ… لَكِنِّي لَسْتُ قِنَاعًا، وَلَا صَاحِبَ قِنَاعْ،
أَنَا لَحْظَةٌ تَظُنُّ نَفْسَهَا ثَابِتَةً… ثُمَّ تَكْتَشِفُ أَنَّهَا كَانَتْ عُبُورًا بِلَا ارْتِجَاعْ.
وَلَمَّا فَهِمْتُ الدَّوْرَ… سَقَطَ الدَّوْرُ،
وَلَمَّا أَمْسَكْتُ المَعْنَى… تَسَرَّبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ كَالنُّورْ.
فَاخْتَفَيْتُ… لَا فَنَاءً، بَلْ اكْتِمَالًا،
وَصِرْتُ مَعْنًى يُحَاوِلُ أَنْ يُقَالَ… فَلَا يُقَالُ إِلَّا زَوَالًا.
وَعَرَفْتُ—أَخِيرًا—
أَنَّنِي كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنِّي… ابْتَعَدْتُ،
وَأَنَّنِي…
حِينَ فَهِمْتُ دَوْرِي،
لَمْ أَعُدْ مَوْجُودًا…
لِأُؤَدِّيهِ.




