كيمياء الحب.. بقلم الأديب المصري د. طارق رضوان جمعة

فى غياب عينيك، السطر يتيم، ويذوب الشوق بين أصابع الانتظار … انتظار حيث تُفطم بعض القصائد بألم الانتظار والليل يظل مستيقظًا، ويشرق الصبح فى مسائى. فلِما تركتي صقيع الصمت يفصل بين روحينا؟ ألم أكن وطنك؟ ألم أطعمك قمح قلبى؟ ألم أحافظ عليك بماء عينى؟
فلما تأتينى بجسدك خاويًا بلا روح, كأنكِ تؤدى واجب الحضور؟ وما فائدة قدومك إذا كان البرد يسكن داخلك؟ فقدومك البارد كزمن أعمى يتدرب على افتراسى. وإن كنتِ لا تقوى على الحب فلما سرقتى أحلامى كلص يستتر بظلام الليل؟ ولما تركتى أضلعى لنار اللهفة تكوينى وتحرقنى؟
واهمة أنتِ إن ظننتِ أن روحك ماتت، لكنها قدمت استقالتها من هذا الخلق لشدة ما كذب عليها باسم الحب، فأنا المحب التمس لكِ سبعون عذرًا ، لكن ما ذنبى؟ ولما تأخذيننى بذنب غيرى؟
غاليتى أخبرينى ما فائدة الدفء، إن كان دفء معطفك منسوج من خيوط الانتظار والبرد. فأنسجته باردة، تعض فراغ يومى ولا يكمل بداخلى نقصًا. فأنا بين معطف لا يُدفىء ، وتعب لا يُسمع، وسقيع يسكننى دون إذن فى ليل لا ينتهى. شكرًا أنكِ علمتنى أن الخيانة لا تحتاج اختلاف، فمعولها هو قرب كافٍ، ذلك القرب الذى يفهم مواضع الضعف ويصيبها دون أى إرتجاف. علمنى حبك سيدتى أن ضربة الغريب لها دافع واضح، أما ضربة القريب فما مبررها؟ وهنا يحدث فى النفس الخراب بوصفه فكرة.
أريدك حبًا، قلبًا يبعث فى داخلى الأمل والحياة.
أتريدى أن ترى ما فعل غيابك بى، تعالى وأنظرى لضحكتى المعلقه كمشنقة يتدلى منها قلب لم أقصد قتله لكنه مات، رأيت حروفى تلبس ثوب الحق ولكن بداخلها سكين. يتمشى فوق أبجديتى كما يمشى الجريح فوق أعضائه المبتورة.
يارب … هذه كلماتى تقف الآن ضدى، ترفع يدها وتقسم أنى لم أكن برىء حين خبأت ضعفى داخل بلاغة. وها هو قلمى الذى ظننته عصاى أتوكأ عليه، يتحول إلى حية تلتف حول رقبتى. فنحن لا نعيش الوقت إنما نُقاس به كما تُقاس الشقوق فى جدار هالك. شكرًا أنكِ علمتنى أن الهواء ليس فراغ، إنما هو تفكير غير مرئ، فالوقت ليس عابرًا إنما هو كائن يتقن التخفى يتقدم حين نظنه ظلًا، ويجلس حين نسرع. علمنى حبك سيدتى أن من لا يجيد الوقوف بين الفواصل يُبتر من الجملة. فالنجاة ليست ترتيبًا جيدًا للأيام، إنما هى قدرة نادرة على إيقاف اللحظة دون أن ننكسر وسؤال الزمن أن ينتظر دون أن يهدينا. علمتنى قسوتك أن القوة ليست صلابة، لكنها فن التشكيل والبقاء وليس ثباتًا بل هى عبور بين ما كنا وما لم نجربه بعد.
لِما لم تدرك هى أن الحب
بين الرجل و المرأة من منظور كيميائى لا يعنى بالضرورة أن يكون بينهما توافق أو أن يكون الرجل والمرأة لهما نفس الفكر والطباع. فالحب سيدتى هو اتحاد اختلافين للوصول إلى الكمال أو “حجر الفلاسفة”.
ويرى المنظور الكيميائى للحب أن الكون بأسره يقوم على توازن بين طاقتين متكاملتين، ويُرمز لهما غالباً بالشمس والقمر: الجانب الذكري (القمر)، ويمثل الحركة والنشاط والجانب الأنثوي (الشمس)، ويمثل السكون، والنفس.
الهدف الكيميائى ليس سيطرة طرف على الآخر، بل إيجاد “الحب المقدس” الذي يدمج هذه الخصائص المتناقضة: حركة مع سكون أو جسد مع نفس.
في الكيمياء النفسية، لا يشير هذا فقط إلى العلاقة بين شخصين، بل إلى اتحاد الجانب الذكري والأنثوي داخل نفس الشخص الواحد (توازن المنطق والعاطفة، أو الفعل والتأمل)، فيما يُعرف بولادة “الوعي المستنير”.
مما يعبر عن الوحدة المطلقة حيث تختفي الصراعات بين الأضداد. فهى حالة من التناغم التام حيث يكمل كل طرف نقص الآخر لإنتاج شيء أعظم من مجموع أجزائهما.
وللوصول لعلاقة حب ناجحة بين الذكر والأنثى لابد من المرور بثلاث مراحل تحويلية في العلاقة:
١ـ السواد (Nigredo): مرحلة التفكك والمواجهة مع الظلال والنزاعات، حيث تذوب الأنا الفردية.
٢ـ البياض (Albedo): مرحلة التطهير والاستبصار، حيث يبدأ الطرفان في رؤية جوهر بعضهما بوضوح.
٣ـ الحمرة (Rubedo): مرحلة النضج النهائي والاتحاد الثابت، وهى بوتقة للصهر والتحول؛ فالهدف ليس فقط السعادة او الإنجاب أو الجنس أو تحقيق الرغبات المادية ، بل التطور الروحي والوصول إلى وحدة الوجود ، لا بالمعنى الصوفي بل بالمعنى الخيميائي.
وختامًا، ليت كل حبيبة تعلم أن ليس كل ذكر رجل، كما أن ليس كل رجل بطبعه خائن فرفقًا بنا معشر النساء، فقد أوصانا الحبيب المصطفى بكم ورفقنا بكم ودار الزمن بنا لنطلب نحن الرفق منكن.




