الصيام عبادة الأنبياء… ومدرسة الارتقاء الروحي والجسدي

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
منذ أن عرف الإنسان طريقه إلى السماء، كان الصيام أحد أبواب العبور إلى الطهر. لم يكن الصوم فريضة عابرة في شريعة بعينها، بل كان عبادة الأنبياء جميعًا، ومدرسة تربيةٍ اصطفاها الله لعباده المصطفين.
يخبرنا القرآن الكريم بحقيقة راسخة في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]،
ليؤكد أن الصيام لم يكن خاصًا بأمة دون أخرى، بل هو عبادة ممتدة عبر الزمن، عَبَر بها الأنبياء والأمم نحو التقوى.
يُروى أن أول من صام هو سيدنا آدم عليه السلام، حين صام ثلاثة أيام من كل شهر توبةً وشكرًا. وصام نبي الله داود عليه السلام يومًا وأفطر يومًا، حتى قال رسول الله ﷺ إن أحب الصيام إلى الله صيام داود. أما سيدنا موسى عليه السلام فصام أربعين يومًا قبل أن يُكلمه الله على طور سيناء، ليتهيأ قلبه للميثاق العظيم. وصام نبينا محمد ﷺ، فكان أكثر ما يصوم في شعبان، ويحث على صيام الاثنين والخميس، وأيام البيض، ليجعل الصيام أسلوب حياة لا موسمًا عابرًا.
الصيام… تربية للروح
الصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو كبحٌ للشهوة، وتهذيبٌ للنفس، وتدريبٌ عملي على الصبر. حين يجوع الجسد، تصحو الروح. وحين تضيق الشهوة، تتسع البصيرة. لذلك كان الصيام طريق الأنبياء إلى صفاء القلب وقوة اليقين.
في الصيام يتعلم الإنسان مراقبة الله في السر قبل العلن؛ فلا رقيب عليه إلا ضميره الحي. وهنا تكمن عظمة العبادة: إنها علاقة مباشرة بين العبد وربه، بلا وسيط ولا شهود.
فوائد الصيام… بين الإيمان والعلم
لم يأتِ العلم الحديث بجديدٍ على حكمة السماء، بل كشف بعضًا مما أودعه الله في هذه العبادة من أسرار:
راحة الجهاز الهضمي ومنحه فرصة لإعادة التوازن.
تنظيم مستويات السكر في الدم وتحسين حساسية الإنسولين.
تعزيز عملية حرق الدهون وتنشيط ما يُعرف بآلية “الالتهام الذاتي” التي تُجدد الخلايا.
تقوية الإرادة وضبط السلوك الغذائي، ما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية.
لكن تبقى أعظم الفوائد هي التقوى؛ فالصيام يعيد ترتيب الأولويات، ويذكر الإنسان بضعفه، ويوقظ داخله الرحمة بالفقراء والمحتاجين.
الصيام… رسالة أخلاق
لو أدركنا أن الصيام عبادة الأنبياء، ما اختزلناه في موائد عامرة أو ساعات انتظار. الصيام الحقيقي هو صوم اللسان عن الأذى، والعين عن الحرام، والقلب عن الضغينة. هو انضباط شامل يعيد للإنسان إنسانيته.
وهكذا يبقى الصيام مدرسةً ربانية، سار فيها الأنبياء قبلنا، لنفهم أن الجوع المقصود ليس حرمانًا، بل ارتقاء… وأن الامتناع المؤقت عن الشهوات هو الطريق إلى حرية الروح.



