مقالات

ليلة القدر… حين تفتح السماء أبوابها وتتنزل الملائكة وتُكتب أقدار البشر

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام

ليست كل الليالي سواء… فهناك ليلة واحدة في العام تتغير فيها موازين الزمن، ليلة عظيمة اختارها الله لتكون تاج ليالي الدنيا، ليلة تُكتب فيها الأقدار، وتتنزل فيها الملائكة بالرحمة والنور، إنها ليلة القدر.

في تلك الليلة المباركة يسكن الكون سكونًا مهيبًا، وكأن الأرض تستعد لاستقبال فيض من الرحمة الإلهية. تتنزل الملائكة أفواجًا إلى الأرض بقيادة جبريل عليه السلام، تحمل السلام والطمأنينة لعباد الله الصالحين، وتملأ الأجواء بنفحات لا يشعر بها إلا قلبٌ أخلص لله وتعلق به.

قال الله تعالى:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
إنها ليلة اختصها الله بفضلٍ يفوق الخيال؛ فعبادة واحدة فيها تعادل عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين عامًا. وفيها يُفرق كل أمر حكيم، وتُكتب الأقدار للسنة القادمة، كما قال سبحانه:

﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
ليلة القدر هي ليلة السلام، ليلة تمتلئ فيها القلوب بخشوع لا يُوصف، وتفيض فيها العيون بالدموع، وتعلو فيها الدعوات إلى السماء. يشعر المؤمن فيها براحة عجيبة وطمأنينة لا تشبه أي ليلة أخرى، وكأن الكون كله يهمس للإنسان: اقترب من ربك الآن… فالأبواب مفتوحة.

وقد أخبرنا النبي ﷺ عن فضلها العظيم فقال:
“من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه”.
أما علاماتها فقد ورد أن ليلتها تكون ساكنة مطمئنة، لا شديدة الحرارة ولا شديدة البرودة، ويغمرها سكون مهيب، ثم تشرق شمس صباحها بيضاء هادئة بلا شعاع قوي، كما قال النبي ﷺ:
“وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها”.

ولهذا أخفى الله موعدها الدقيق ليجتهد المؤمنون في العبادة خلال العشر الأواخر من رمضان، فقد قال النبي ﷺ:
“تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان”.

إنها فرصة إلهية عظيمة، قد تغيّر دعوة صادقة فيها حياة إنسان كاملة، وقد تمحو دمعة توبة ذنوب سنوات طويلة. لذلك كان النبي ﷺ يحيي هذه الليالي بالعبادة ويوقظ أهله، إدراكًا لعظمة تلك اللحظات التي تتنزل فيها الرحمة من السماء.
وفي هذه الليلة المباركة علم النبي ﷺ السيدة عائشة رضي الله عنها دعاءً عظيمًا فقال:
“قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني”.

ليلة القدر ليست مجرد ليلة ننتظرها… بل نافذة سماوية تُفتح مرة كل عام، يمنح الله فيها عباده فرصة جديدة، فرصة لغفران الذنوب، وتبديل الأقدار، وكتابة بداية مختلفة لحياةٍ أقرب إلى الله.

فطوبى لمن أحياها بقلبٍ خاشع، ولسانٍ ذاكر، وروحٍ موقنة بأن رحمة الله في تلك الليلة أقرب من أي وقتٍ آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى