مقالات

سيناء بين تحرير الأرض واستدامة الحضور

 

بقلم / الفنانة والكاتبة
 د. أمينة سالم
 فنان قدير بالمسرح القومي

تحررت أرض سيناء الحبيبة في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982م ؛ تلك اللحظة السيادية الحاسمة في التاريخ الوطني المصري ، جاءت هذه اللحظة تتويجاً لمسار ممتد من الصراع العربي الإسرائيلي منذ عام 1948م باحتلال القدس ؛ ونكسة 1967م ؛للأراضي المصرية ؛ وما تخللها من حروب استنزاف ؛ ثم جاءت لحظة الانتصار المجيد مع حرب أكتوبر1973م،باستعادة كامل الأرض والتراب الوطني عبر مسار عسكري ودبلوماسي رسخ اكتمال السيادة المصرية على أرض سيناء بصورة نهائية لا تقبل المراجعة أو التأويل.

ارتبط هذا المسار التاريخي بتضحيات ممتدة قدمها الجيش المصري العظيم في معارك يُدرس أريجها الأخاذ في أكاديميات العالم للعلوم العسكرية  العليا ؛ في تعاليم نهج وأسلوب وكيفية استرداد الأرض ، حيث تشكلت بطولات حرب أكتوبر كعلامة فارقة أعادت مفهوم الإرادة الوطنية وقدرتها على الحسم.. غير أن اكتمال هذا الحدث لا يعنى انغلاق دلالته ، بل انتقاله إلى مستوى أعمق يتعلق بكيفية ترسيخه داخل بنية الدولة الحديثة . بحيث يتحول من لحظة تاريخية إلى مشروع ممتد في التنمية والوعي ؛ فالقيمة الأعمق لأي إنجاز سياسي لا تتجسد في وقوعه فقط ، بل في قدرته على التحول إلى واقع ممتد ينعكس في العمران والاقتصاد والوعي الجمعي ، بحيث لا يبقى التحرير حدثاً منفصلاً عن الحياة ، بل جزءاً  ومكوناً من حركتها المستمرة .

وفي مرحلة ما بعد التحرير برز دور القوات المسلحة والشرطة المصرية في تثبيت الاستقرار داخل سيناء عبر جهود متواصلة لمواجهة التحديات الأمنية ؛ وحماية الحدود ومكافحة الإرهاب ، بما حافظ على وحدة الدولة وأمنها الوطني ، عند ما تَشكل هذا الدور كامتدادا طبيعياً لمعركة استرداد أرض الفيروز ، ولكن بأدوات مختلفة تتناسب مع طبيعة المرحلة ،  وذلك بتحويل مفهوم الدفاع من ساحة القتال إلى حماية الاستقرار ، وبناء بنية بيئية آمنه للتنمية .  ومن ثم فإن سيناء ، بما تحمله من ثقل استراتيجي وموقع جغرافي بالغ الحساسية ، ليست هامشاً على خريطة الدولة، بل مكون أصيل في بنيتها الوطنية والأمنية، لذا فإن تعزيز حضورها لا يتعلق بإعادة تعريف السيادة فحسب، بل  بتكثيف فاعليتها عبر الدمج الكامل في مشروع الدولة التنموي والاقتصادي والاجتماعي . وفي هذا السياق تظل سيناء أرضاً مصرية خالصة السيادة والهوية ، تخضع بكاملها للدستور المصري ، وتدار شؤونها وفقاً لإطار الدولة ومؤسساتها الشرعية وحدها ، وبالتالي فإن أي تصرفات أو معاملات تتعلق بأراضيها لا تكون إلا في حدود القانون المصري ووفق ضوابطه المنظمة ، بما يضمن حماية طبيعتها الوطنية وصون أمنها واستقرارها ، وترسيخ كونها جزءاً لا يتجزأ من الإقليم المصري تحت سيادة الدولة الكاملة وغير القابلة للتجزئة .

 إن قوة التجارب الوطنية لا تقاس فقط بقدرتها على استعادة الأرض ، بل بقدرتها على تحويل هذا الاسترداد إلى مسار حي دائم ، تتداخل فيه السياسة بالتنمية ، بحيث يصبح فيه المكان جزءاً فاعلاً من فكرة الدولة لا مجرد امتداد جغرافي لها . هنا تتقاطع المسؤولية ، ويصبح الوقوف ذاته فعلاً من أفعال الانتماء ..ويغدو الحضور في أعمق معانيه ، فيصبح الشكل الأكثر هدوءاً للسيادة .

ومن هذا المنظور فإن استدامة الحضور في سيناء ليست مفهوماً رمزياً بل امتداد طبيعي لمعنى التحرير ذاته ، الذي يقوم على تحويل الإنجاز التاريخي إلى واقع متجدد يضمن أن تظل سيناء في قلب المشروع الوطني المصري ، أرضاً خاضعة بالكامل لسيادة الدولة ، وحاضرة في وعيها وتنميتها ومستقبلها دون انفصال بين التاريخ والحاضر ..

فتحية بأطيب الورود والرياحين لشهدائنا الأبرار على مر تاريخ هذا النضال ؛ وقبلة على جبين أبطال قواتنا المسلحة الباسلة والشرطة المصرية العظيمة بمديرياتها شمالً وجنوباً وشرقاً وغربا ؛ وعلى وجه الخصوص مديريات أمن الحدود جنوب وشمال سيناء ؛ الذين يعيشون على سطح صفيح ساخن ليلا نهار للحفاظ على الأمن والسلم بالوقت والجهد والعرق بدمائهم الذكية من أجل أن تحيا مصر وشعبها دائما وأبدا ..

                                            

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى