مقالات

حين يتحول الراتب إلى ساحة صراع… تضطرب المودة

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام

في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد الحياة الزوجية مجرد علاقة عاطفية قائمة على الحب فقط، بل أصبحت شراكة حقيقية تتطلب وعيًا وتوازنًا وعدلاً في تحمّل المسؤوليات. ومن أكثر القضايا التي باتت تثير الجدل داخل البيوت، مسألة راتب الزوجة العاملة، وحدود مشاركتها في نفقات الأسرة.

ليس خافيًا أن بعض الزوجات العاملات يتعاملن مع راتبهن باعتباره حقًا شخصيًا خالصًا، لا يجوز المساس به، في الوقت الذي يُترك فيه الزوج وحده يواجه أعباء الحياة المتزايدة. هذا التوجه، وإن كان يجد له مبررات قانونية أو اجتماعية لدى البعض، إلا أنه قد يخلق فجوة نفسية بين الزوجين، ويزرع بذور التوتر والصدام داخل الأسرة.

فالزواج في جوهره ليس معادلة حسابية جامدة، بل علاقة قائمة على المشاركة والتكافل. صحيح أن للزوجة ذمة مالية مستقلة، لكن من الصحيح أيضًا أن روح الحياة الزوجية تقوم على “التراحم” قبل “التحاسب”. حين يشعر الزوج أنه وحده في ساحة المواجهة، بينما شريكته تكتفي بالمراقبة أو الادخار لنفسها فقط، فإن ذلك يضعف إحساسه بالعدل، ويهز استقراره النفسي، وقد يتحول الأمر إلى خلافات مستمرة تؤثر على الأبناء قبل الكبار.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يُفهم الحديث عن مشاركة الزوجة في المصاريف على أنه “فرض” أو “إجبار”، بل هو أمر يقوم على التراضي والتفاهم. فمتى جاءت المشاركة عن طيب خاطر، تحولت إلى تعبير صادق عن الحب والانتماء، لا إلى عبء أو استغلال.
كما أن للزوج دورًا لا يقل أهمية في هذه المعادلة؛ فالتقدير والامتنان من جانبه يفتحان أبواب العطاء لدى الزوجة. الكلمة الطيبة، والاعتراف بمجهودها، والشعور بأنها شريكة حقيقية لا مجرد مصدر دخل، كلها عوامل تشجعها على المساهمة دون تردد. فالمرأة بطبيعتها تستجيب للاحتواء والتقدير أكثر من الأوامر والضغوط.

وعلى الجانب الآخر، تحتاج الزوجة أيضًا إلى أن تُشعر زوجها بقيمته، وأن تقدر ما يبذله من جهد، سواء شاركته ماديًا أو لم تفعل. فالتقدير المتبادل هو الوقود الحقيقي لاستمرار أي علاقة ناجحة.

إن بقاء كل طرف متمسكًا بحقوقه فقط، دون النظر إلى واجباته أو إلى مصلحة الأسرة ككل، يحوّل البيت إلى ساحة شد وجذب، بدلًا من أن يكون ملاذًا للسكينة. لذلك، فإن التوازن هو الحل: لا إفراط في الأنانية، ولا تفريط في الحقوق، بل تفاهم يحفظ الكرامة ويصون المودة.

في النهاية، ليست المشكلة في المال ذاته، بل في طريقة التعامل معه. فإما أن يكون وسيلة لتعزيز الترابط، أو سببًا في تفكك العلاقات. والاختيار هنا بيد الزوجين… فإما شراكة حقيقية تُبنى على العطاء، أو حسابات ضيقة تُهدم بها البيوت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى