مقالات

هي الدنيا جرى فيها إيه؟

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام

سؤال يتردد على ألسنة الجميع… نهمس به أحيانًا، ونصرخ به أحيانًا أخرى:
هل تغيرت الدنيا؟ أم تغيرنا نحن؟

الخير والشر لم يولدا اليوم. هما قديمان قدم الإنسان نفسه. منذ قصة قابيل وهابيل، والصراع قائم بين نورٍ يريد أن ينتصر، وظلمةٍ تبحث عن مساحة. لم يكن الماضي مدينة ملائكية كما نتخيل، ولم يكن الناس ملائكة تمشي على الأرض. لكن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم أن الشر لم يكن يملك منبرًا، ولم تكن الخساسة تُبث على الهواء مباشرة.

زمان… كان الخطأ يُرتكب في الخفاء، ويُستتر منه صاحبه خجلًا.
اليوم… الكاميرات تلاحق كل شيء، ووسائل التواصل تحوّل أي مشهد إلى عرض مستمر. لم يعد الانحراف مجرد سلوك فردي، بل صار “محتوى”. لم تعد قلة الأدب سقطة، بل أصبحت وسيلة لجذب المشاهدات.

الإعلام الذي كان يفترض به أن يكون حارسًا للقيم، صار في بعض صوره شريكًا في صناعة الفوضى. التضليل لا يزوّر الخبر فقط، بل يزيّف الوعي، ويُربك البوصلة الأخلاقية. ومع ظهور ظاهرة “البلوجر”، أصبح بعض من لا يملك علمًا ولا رسالة، يمتلك تأثيرًا يفوق أصحاب الفكر الحقيقي. الكلمة التي كانت مسؤولية، صارت وسيلة للانتشار. والانتشار أصبح غاية، ولو على حساب الذوق والحياء.

انظروا إلى نوعية البرامج التي تتصدر المشهد؛ السخرية والتنمر يُقدمان في إطار “الترفيه”. مثل برامج المقالب التي اشتهر بها رامز جلال، والتي تقوم فكرتها الأساسية على إخافة الضيف أو إحراجه أمام ملايين المشاهدين. قد يضحك البعض، لكننا نسأل: ماذا نغرس في وجدان الأجيال؟ هل نعلمهم أن الإيذاء مادة للضحك؟ وأن إحراج الآخر بطولة؟

المشكلة ليست في وجود الشر، بل في تطبيعه. ليست في الخطأ، بل في الاحتفاء به.
زمان كان المنحرف يخشى الفضيحة. الآن يخشى قلة المشاهدات.
لكن، هل يعني ذلك أن الخير اختفى؟

أبدًا.
الخير موجود… لكنه هادئ، لا يصرخ، ولا يبحث عن “تريند”.
هناك آباء يربّون في صمت، وأمهات يغرسن القيم في قلوب أبنائهن، ومعلمون ما زالوا يعتبرون رسالتهم أمانة، وشباب يرفضون الانجراف خلف التفاهة رغم كل المغريات.
الفرق بين زمان ودلوقت ليس أن الشر زاد، بل أن الضجيج زاد.
ليس أن الناس فسدت جميعًا، بل أن الفساد صار أعلى صوتًا.
ويبقى السؤال الحقيقي: نحن مع أي صف سنقف؟

هل نكون جزءًا من موجة السخرية والانفلات، أم نكون نقطة نور صغيرة لكنها ثابتة؟
الدنيا لم تفسد فجأة… لكنها تحتاج إلى من يتمسك بقيمه وسط العاصفة.
فالخير لا يموت، لكنه يحتاج إلى من يدافع عنه.
ولكن… لا نزال تؤمن أن الكلمة الصادقة قادرة على إعادة التوازن، ولو بعد حين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى