في ظلمات الرحم… سبقٌ قرآني أدهش العلم الحديث

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في زمنٍ لم تكن فيه مجاهر، ولا أجهزة تصوير، ولا علوم أجنة، نزل القرآن الكريم بوصفٍ دقيق لمراحل تكوين الإنسان داخل رحم أمه.
وصفٌ لم يكن في متناول بشرٍ في القرن السابع الميلادي، بل جاء بكلمات قليلة تحمل من الدقة ما أذهل العلماء بعد قرون طويلة.
قال تعالى في سورة المؤمنون:
﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طين * ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين * ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾
آياتٌ ترسم رحلة الخلق من بدايتها الأولى حتى اكتمال الصورة الإنسانية، في مشهدٍ يجري في ظلماتٍ ثلاث، بعيدًا عن عين البشر، لكن ليس بعيدًا عن علم الله.
نطفة… بداية الحياة
النطفة في اللغة تعني القطرة الصغيرة.
وقد أثبت العلم الحديث أن بداية تكوين الإنسان تكون من خلية واحدة ناتجة عن التقاء الحيوان المنوي بالبويضة، وهي بالفعل قطرة مجهرية لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تحمل الشفرة الكاملة لإنسانٍ سيبصر النور يومًا ما.
علقة… مرحلة التعلق
كلمة “علقة” تحمل معنيين: الشيء المتعلق، وقطعة الدم.
والجنين في أيامه الأولى يكون متعلقًا بجدار الرحم، يستمد غذاءه عبر هذا الارتباط الدقيق بالحياة.
وإذا نُظر إليه في تلك المرحلة المبكرة بدا ككتلة صغيرة داكنة، في صورة تقترب كثيرًا من الدلالة اللغوية للكلمة.
مضغة… قطعة ممضوغة
“المضغة” هي قطعة لحم صغيرة بقدر ما يُمضغ.
وفي مرحلة لاحقة، تتكون على جسم الجنين نتوءات دقيقة تمثل البدايات الأولى للفقرات والتكوين الهيكلي، فيبدو وكأنه قطعة صغيرة عليها آثار تشبه آثار الأسنان.
كلمة واحدة اختزلت مشهدًا لا يُرى إلا بالمجهر.
عظام ثم كساء
ثم يأتي التدرج في البناء؛ يتشكل الهيكل الداخلي أولًا، ثم تتكامل حوله الأنسجة والعضلات في نظامٍ بالغ الدقة.
ليس الأمر عشوائيًا، بل ترتيبٌ محكم يشي بعلمٍ شامل وقدرةٍ مطلقة.
ثم أنشأناه خلقًا آخر
هنا النقلة الكبرى.
تحولٌ من مجرد مراحل تكوينية إلى كيان إنساني مميز، له سمعه وبصره، وتبدأ أجهزته في العمل في انسجامٍ عجيب.
كأن النص القرآني يشير إلى لحظة الانتقال من مادةٍ تتشكل، إلى إنسانٍ تتجلى فيه الحياة.
إن الحديث عن مراحل تكوين الجنين في القرآن الكريم ليس محاولة لإثبات سبقٍ علمي فحسب، بل هو استدعاءٌ للعقل كي يتواضع، وللقلب كي يخشع.
فالقرآن لم ينزل كتاب أحياء، ولم يُرد أن يتحول إلى مرجعٍ في المختبرات، لكنه أشار… فأصاب، ووصف… فأدهش.
كل مرحلة من تلك المراحل ليست مجرد تطورٍ بيولوجي، بل رسالة صامتة تقول للإنسان:
لقد كنتَ نطفة… ثم علقة… ثم مضغة…
فكيف يعلو صوتك تكبرًا؟ وكيف يغيب عنك الامتنان؟
إنها معجزة لا تحتاج إلى ضجيج، لأنها ثابتة، هادئة، راسخة كالحقيقة نفسها.
وكلما تقدم العلم خطوة، اكتشف أن في هذا الكتاب آفاقًا لم تُفتح بعد.
ويبقى السؤال الأهم:
إذا كان هذا كلامًا عنك… وعن أدق تفاصيل خلقك…
فكيف لا يكون من عند من خلقك؟
﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾




