مقالات

كيمياءُ الجَبْر: كيفَ نصهرُ شتاتَ الأرواحِ في محاريبِ النّدم؟

بقلم شذى الموسوي
لا يوجدُ في قاموسِ الأرواحِ المتصلةِ بالسماءِ مصطلحٌ يُسمى “نهاية”؛ فالانكسارُ في حقيقته ليس إلا “مخاضاً” لولادةِ ذاتٍ أصلب، وعمليةً كيميائيةً تعيدُ صهرَ النفسِ لتخرجَ أكثرَ نقاءً. إنَّ المحنةَ التي تمرُّ بها، أو الذنبَ الذي أثقلَ عاتقكَ، ليس جداراً سُدَّ به الطريق، بل هو “منعطفٌ” يستحثُّ فيكَ عبقريةَ النهوض. فكيف نتحولُ من ضحايا لانكساراتنا إلى سادةٍ لمصائرنا؟
​يضعُ لنا الإمام علي (عليه السلام) حجرَ الزاويةِ لهذا البناء الروحي بقوله:
​”غَرَسوا أشجارَ ذُنوبِهم نُصبَ عُيونِهم وقُلوبِهم، وسَقوها بِمياهِ النَّدَم، فأثمَرَت لَهُمُ السَّلامَة، وأعقَبَتهُمُ الرِّضا والكَرامَة”.
​إنَّ هذا البيان العلويّ يُعلّمنا “فنَّ التحديقِ في الجرح”؛ فبدلاً من الهروبِ من انكساراتنا، علينا أن نجعلها “نُصبَ العيون”، لا لجلدِ الذات، بل لتحويلِ طاقةِ الألمِ إلى “ماءٍ” يروي بذورَ الإصلاح. فالانكسارُ الحقيقي ليس في “السقوط”، إنما في الاستسلامِ لجاذبيةِ القاع وتصديقِ وهمِ التحطمِ النهائي.
​أوَليس هو القائلُ في محكمِ تنزيله:
《قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا》؟
تأملي هذا النداءَ الرحيم؛ إنه نداءٌ يرممُ شتاتَ الروحِ قبل أن تتلاشى، ويعدُ بالتغييرِ الشامل. فاللهُ الذي يحبُّ “التوابين” يفتحُ لكِ آفاقاً تتسعُ كلما ضاقت بكِ الأرض، ليؤكدَ لكِ أنَّ “الترميمَ” هو أصلُ العلاقةِ بين الخالقِ والمخلوق، وأنَّ اللهَ لا يملُّ من جَبْرِكَ ما دمتَ تملُّ من قنوطِك.
​إنَّ الظرفَ القاهرَ الذي يكسرُ خاطركِ، أو العثرةَ التي تدمي قدمكِ، هي في جوهرها “دعوةٌ للاصطفاء”. فالذي يُهدمُ يُبنى، والذي ينكسرُ يُجبر، والجبارُ سبحانه لم يُسمِّ نفسه جباراً إلا لأنه “يجبرُ” قلوبَ المنكسرين الذين لم يجدوا مأوىً سواه. يقولُ عزَّ وجل:
《وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا》.
هذا “الاستغفار” هو المعولُ الذي نحطمُ به قيودَ الإحباط، لنصعدَ فوقَ ركامِ الماضي، ونبنيَ من أنقاضِ ذنوبنا جبالاً شامخةً نتسلقها نحو آفاقِ الرضا والكرامة.
​فيا أيها المنكسرُ بظرفٍ أو بذنب، لا تنظر إلى قُبحِ السقوط، بل انظر إلى جلالِ النهوض. حوّلْ ندمكَ إلى “وقود”، وانكساركَ إلى “بوصلة”، وثقْ بأنَّ الله لا يُحطمُ غصناً في روحكَ إلا لينبتَ مكانه شجراً يفيضُ ثماراً وظلالاً. فليجدنا اللهُ حيثُ يحب: محاولين، مستغفرين، وصاعدين دوماً من عتمةِ الأرضِ نحو ضياءِ سَمائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى