أَوْتَارُ النَّفْسِ… سِيمْفُونِيَّةُ التَّكَامُلِ بِقَلَمِ الأَدِيبِ د/ طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَة

جَلَسَت الإبرةُ وَالخيطُ في حِوارٍ صَغير، وَبَدَأت الإبرةُ تَتَحَدَثُ بِصَوتٍ رَفيع:” يا خيطُ، لَولَا دَعَوتُكَ لِتُصبِحَ جُزءًا مِنِّي، لَمَا كُنتَ قَادِرًا عَلَى الإنتِصَال.
فَقَالَ الخيطُ (بِصَوتٍ مُتَأَنٍّ):” يا إبرةُ، ألَستِ تَعلمينَ أَنَّني أُكَمِّلُكِ, وَأَنَّ دَورِي هُوَ أَن أَتَحَوَّلَ إِلَى نَسِيجٍ جَميلٍ بِوَاسِطَتِكِ؟ فَقَالت الإبرةُ بِابتِسامَة:” صَحيحٌ، يا خيطُ، وَلَكِنَّ دَورِي هُوَ أَن أَقُودَكِ وَأُدَخِلَكِ فِي القُمَاش.
فَقَالَ الخيطُ بِصَوتٍ مُتَحَد:” يا إبرةُ، ألَستِ تَعلمينَ أَنَّني أُعطِيكَ القُوَّةَ وَالمَرونَة، وَأَنَّكَ بِدَونِي لَن تَكُونِي قَادِرَةً عَلَى الخِيَاطَة … فَسَكَتَت الإبرةُ وَأدرَكَت أَنَّ الخيطَ صَحيح. وَفَجأةً قَطَعَ الحِوارَ صَوتٌ ضَعيفٌ، إِنَّهُ صَوتُ القُمَاش:” يا إبرةُ وَيا خيطُ، كَفاكُمَا جِدال، ألَستُمَا جُزءًا مِن عَمَلِيَةٍ وَاحِدَة! الإبرةُ تَثَقِبُ وَالخيطُ يَتَحَوَّلُ إِلَى نَسِيجٍ جَميل. كِلاكُمَا مُهِمٌ وَلِكُلٍ مِنكُما دَورٌ وَوَظيفَة. فَلِمَ الخِلافُ وَالصِراع. فَسَكَتَت الإبرةُ وَالخيطُ وَأدرَكَا أَنَّ القُمَاشَ قَولُها الصَواب.
حينَما أكتمَلَ وجودِ كُلُ مَوجود، وأصبَحَ جُزءً منً المَوجود، كانَت العَينُ هيَ النآظِرة والقَلبُ هو المُتَبَصر.
نَظَرت العَينُ للقَلبِ طَويلاً بتأنٍ وتَمَعُنٍ وفُضُولٍ فَقالَت للقَلب : قَدَرُنا أن نَعيشَ بِجِسمٍ واحد وأنا السآكِنَةُ بِمنزلِ النورِ ومَسكَنُكَ الظَلام. أنا عَينُ جَمالِكَ وعَينُ قُبحِكَ وميزانُ حُبُكَ وكُرهُكَ. فعلى عَرشُكَ أتَرَبع ولِما أقولً تَسمَع. إن أطَعتَ قَولي أصَبتَ وأفلَحتَ وجَعَلتُكَ ترى الجميلَ والأجمل. وإن خالفتني أخطئتَ وتَخَبَطتَ في الظلامِ وسترى مني القبيحَ والأقبح منَ الأشكالِ والصور. أنا الحوراءُ والنجلاءُ والكحلاءُ فقُل لي رأيكُ بقولي. تَريثَ القلبُ بالردِ قليلاً على العينِ حتى قالَ لها : ” يا عديمةُ البًصيرة ما أقلَ شأنُكِ وما أصغرَ حجمُك أنتِ المخدوعةُ بالجمالِ الأخآذ وكُلُ شكلٍ فَذآذ. أنتِ النآظِرةُ للصورِ وأنا المُبصِرُ للحقيقةِ والجوهر. إن أحببتُ أهتَزَ كُلُ الكَيان وإن بدا الكُرهُ مني فلا نَظرُكِ ينفع ولا مًسكَنُكِ يشفع. بيدي دفةُ المسيرة وبِقبضَتي أنتِ ذليلةٌ أسيرة.”
فخُذي عني واسمعي لقولي تُريحينَ كَيانُكِ وتَرتاحي.
وأنتُم أكارمي الكِرام ما قَولُكُم، هل الغَلَبةُ للعينِ أم للقلب، للحوراءِ أم للسويداء، للنجلاءِ أم للجَّنآن، للكحلاءِ أم للفؤاد؟
فَسَكَتَ الجَميعُ لِهَذا الحِوارِ وَأُخرِسَت الألسِنَةُ وَتَعَطلَت الأفكَار. وَبَقيَت العَينُ وَالقَلبُ في صِراعٍ وَخِلاف. وَفَجأةً قَطَعَ الصَمتَ صَوتُ ضَعيفٌ وَليسَ بِبَعيد، إنها النَفسُ تَتَحَدَثُ وَتَقول:” يا عَينُ وَيا قَلبُ كَفاكُمَا خِلاف، ألَستُمَا جُزءً مِن كِياني! ألَستُمَا يَدَيَّ اليُمنى وَاليُسرى! العَينُ تُبصِرُ وَالقَلبُ يُحِس. كِلاكُمَا مُهِمٌ وَلِكُلٍ مِنكُما دَورٌ وَوَظيفَة. فَلِمَ الخِلافُ وَالصِراع؟ فَتَحَت العَينُ فَمَها وَقَالت:” صَدَقتِ يا نَفسُ وَلكِنَّ القَلبَ قَد تَجَبرَ وَتَكَبَر. فَقَالت النَفسُ:” يا قَلبُ ألَستَ تَعلمُ أنَّ العَينَ هِيَ مِرآتُكَ وَمِن خِلالِها تَري الجَمالَ وَالقُبحَ. وَأنتَ يا عَينُ ألَستِ تَعلمينَ أنَّ القَلبَ هُوَ مَركَزُ الإحسَاسِ وَالمَشَاعِر، فَلِمَ التَكَبُرُ وَالتَجَبُر! فَسَكَتَ القَلبُ وَالعَينُ وَأدرَكا أنَّ النَفسَ قَولُها الصَواب. وَمِن يَومِها وَالعَينُ وَالقَلبُ في وَئام. وَأصبَحا يَتَعاوَنَانِ عَلَى خِدمَةِ النَفسِ وَتَحقيقِ الأهداف .
وحين جَلَسَ العَقلُ وَالقَلبُ في حِوارٍ عَميق. وَبَدَأ العَقلُ يَتَحَدَثُ بِصَوتٍ هَادِئ:” يا قَلبُ، لِمَ تُخَطِئُ وَتَتَبَعُ الهَوى؟ ألَستَ تَعلمُ أنَّ العَقلَ هُوَ المُرشِدُ وَالهُدى!
فَقَالَ القَلبُ بِصَوتٍ مُتَأَلِم:” يا عَقلُ، ألَستَ تَعلمُ أنَّني أُحِسُّ وَأَشعُر، وَأَنَّ الحُبَ وَالعَواطِفَ هِيَ مِن صِفاتي! فَقَالَ العَقلُ بِابتِسامَة:” يا قَلبُ، إِنَّ الحُبَ وَالعَواطِفَ لَيسَت سِوى أَوهامٌ وَخَيال، وَأَنَا مَن يُرشِدُكَ إِلَى الصَوابِ وَالخَير،”
فَقَالَ القَلبُ بِصَوتٍ مُتَحَد:” يا عَقلُ، ألَستَ تَعلمُ أنَّ الحَياةَ لَيسَت سِوى قِصَة، وَأَنَّ الحُبَ وَالعَواطِفَ هِيَ مِن تَجعَلُها جَميلَة! فَقَطَعَ العَقلُ كَلامَ القَلبِ وَقالَ:” يا قَلبُ، إِنَّ الحَياةَ لَيسَت سِوى مَجمَوعَةٌ مِنَ الخَطَأ وَالصَواب . وَأَنَا مَن يُرشِدُكَ إِلَى الصَواب.”
فَقَالَ القَلبُ بِصَوتٍ مُتَأَلِم:” يا عَقلُ، ألَستَ تَعلمُ أنَّ الحَياةَ لَيسَت سِوى رِحلَةٌ قَصيرَة، وَأَنَّ الحُبَ وَالعَواطِفَ هِيَ مِن تَجعَلُها ذَكرياتٌ جَميلَة! وَفَجأةً قَطَعَ الحِوارَ صَوتٌ ضَعيفٌ, إِنَّهُ صَوتُ الضَمير،:” يا عَقلُ وَيا قَلبُ، كَفاكُمَا جِدال، ألَستُمَا جُزءً مِنَ النَفسِ الإنسَانيَة! ألَستُمَا يَدَيَّ اليُمنى وَاليُسرى. العَقلُ يُفَكِرُ وَالقَلبُ يُحِس. كِلاكُمَا مُهِمٌ وَلِكُلٍ مِنكُما دَورٌ وَوَظيفَة. فَلِمَ الخِلافُ وَالصِراع! فَسَكَتَ العَقلُ وَالقَلبُ وَأدرَكا أنَّ الضَميرَ قَولُها الصَواب. وَمِن يَومِها وَالعَقلُ وَالقَلبُ في وَئام.



