فِى مُحِيطِ عَيْنَيْكَ.. بِقَلَمِ اَلْأَدِيبِ د. طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةَ

فِي أَحَدِ اَلْأَيَّامِ تَوَجَّهَ هِيرْمَانْ أَيْنْشْتَايْنَ لِمَحَطَّةِ اَلْقِطَارِ مُتَجِهًا إِلَى عَمَلِهِ. وَفِي طَرِيقِهِ إِلَى اَلْمَحَطَّةِ لَاحَظَ وُجُودَ بَعْضِ اَلْأَوْسَاخِ عَلَى بِنْطَالِهِ، فَتَوَقَّفَ قَلِيلًا لِيُنَظِّفَهَا. هَذَا اَلتَّأْخِيرُ اَلْبَسِيطُ جَعَلَهُ يُفَوِّتُ اَلْقِطَارَ تَنَهَّدَ وَانْتَظَرَ اَلْقِطَارَ اَلتَّالِيَ. عِنْدَمَا وَصَلَ اَلْقِطَارُ اَلتَّالِي، صَعِدَ إِلَيْهِ وَوَجَدَ مَقْعَدًا فَارِغًا. كَانَتْ تَجْلِسُ بِجَانِبِهِ اِمْرَأَةٌ لَمْ يَلْتَقِ بِهَا مِنْ قَبْلُ — بُولِينَ كَوْخ. بَدَأَ بَيْنَهُمَا حَدِيثٌ بَسِيطٌ. تَحَوَّلَ اَلْحَدِيثُ إِلَى لِقَاءَاتٍ أُخْرَى، وَمَعَ اَلْوَقْتِ تَحَوَّلَتِ اَلصَّدَاقَةُ إِلَى حُبٍّ. فِي اَلنِّهَايَةِ تَزَوَّجَ هِيرْمَانْ أَيْنْشْتَايْنَ وَبُولِينَ كَوْخَ وَبَدَآ حَيَاتَهُمَا مَعًا. وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ، رُزِقَا بِطِفْلٍ — غَيَّرَ طَرِيقَةَ فَهْمِ اَلْبَشَرِ لِلْكَوْنِ. ذَلِكَ اَلطِّفْلُ كَانَ أَلْبِرْتَ أَيْنْشْتَايْنَ. لَا تَعْلَمُ أَيْنَ اَلْخَيْرُ. فَبَعْضُ اَلتَّأْخِيرِ مِنْ اَللَّهِ تَدْبِيرٌ نَحْوَ شَيْءٍ أَعْظَمِ. وَرُبَّ صُدْفَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ مَوْعِدٍ.
حَبِيبَتِي هِيَ اِمْرَأَةٌ فِي حُضُورِهَا لَا تَطَأُ قَدَمَايَ اَلْأَرْضَ، بَلْ أَطِيرُ بِجَنَاحَيْنِ فَأَشْعُرُ بِنِعْمَةِ رَبِّي عَلَيَّ بِهَا وَكَأَنَّهُ مَلَاكٌ يَجُوبُ اَلْفَضَاءَ وَيَطُوفُ حَوْلَ ثَنَايَاهَا وَسِمَاتِهَا وَصَفَاهَا. هِيَ اِمْرَأَةٌ يُغَازِلُ وُجُودُهَا اَلْكَوْنَ بِأَكْمَلِهِ لِمَا لَهَا مِنْ عِطْرٍ وَسِحْرٍ يَفُوقُ اَلْوَصْفَ وَيَكْفِي اَلْمَجَرَّةَ. هِيَ اِمْرَأَةٌ تُعِيدُ تَشْكِيلَ قَوَانِينِ نَشَأَةِ اَلْحُبِّ.
حَبِيبَتِي لَاتَدَعِ عَيْنَاكِ يَبْصِرَانِ بِدُونِي. لَا تَدَعْ لِسَانَكِ يَنْطِقُ بِدُونِي. لَاتَدَعْ يَدَاكِ يُعَانِقَانِ دُونِي. وَلَا تَدَعْ رُوحَكِ تَتَحَرَّكُ بِدُونِي. أَنَا اَلضِّيَاءُ ، وَ أَنْتِ اَلشَّمْسُ فَلَا تَشْرَقِي بِدُونِي. عَلَى اَلْمَرْءِ أَلَّا يَعْتَنِقَ تَقَالِيدَ بَالِيَةً وَأَلَّا يَكُونَ عَبْدًا لِلنَّقْلِ . اَلْحُبُّ هُوَ ضَوْءُ اَلرُّوحِ . هُنَاكَ صَوْتٌ لَا يَسْتَعْمِلُ اَلْكَلِمَاتِ ..إَصْغِ . أَغْلِقْ بَابَ اَللُّغَةِ .. وَأَفْتَحْ نَافِذَةَ اَلْحُبِّ . كُلُّ مَا تَبْذَلُهُ مِنْ مُحَاوَلَاتٍ لِلْوُصُولِ إِلَى حَبِيبِكَ، هِيَ فِي اَلْوَاقِعِ مُحَاوَلَاتٌ لِلْوُصُولِ إِلَيْكَ. عِنْدَمَا أَحْسَسْتُ بِالْحُبِّ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَدَأْتُ أَبْحَثُ عَنْكِ كُنْتُ أَعْمَى لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ اَلْعَاشِقَيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ ﻷَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْكُنُ اَلْآخَرَ لِلْأَبَدِ . أَنَا اَلنُّطْقُ اَلصَّامِتُ، أَنَا اَلنَّوَاحُ اَلْمُسْكَتُ، بِلَا لَوْنٍ أَنَا. فَأَنَا اَلدَّاءُ وَالدَّوَاءُ. وَأَنَا اَلطِّفْلُ وَأَنَا اَلشَّيْخُ وَأَنَا اَلتَّابِعُ وَالْأَمِيرُ. وَأَنَا اَلْمَشْهُورُ اَلْمَغْمُورُ. أَنَا عَابِرُ سَبِيلٍ ، وَأَنْتِ سَبِيلِي اِعْبُرْ مِنْكِ إِلَيْكِ.
هِيَ اِمْرَأَةٌ أَعْشَقُ مَعَهَا اَلِاخْتِلَافَ فَمَا فَائِدَةُ أَنْ يَكُونَ اَلْحَبِيبُ نُسْخَةً مُطَابِقَةً مِنْكَ؟! اَلِاخْتِلَافُ يُعْطِي فُرْصَةً لِلتَّكَامُلِ، يُعْطِي فُرْصَةً لِأَنْ تَجِدَ مَا يَجْذِبُكَ اَلطَّرَفَ اَلْآخَرَ لِتَزِيدَ مِنْ فَهْمِ بَعْضِ غُمُوضِهِ. هِيَ اِمْرَأَةٌ لَا أَرَى بِهَا نَقْصًا، إِنْمَا مُمَيِّزَاتٍ مِنْ جَمَالٍ وَكَمَالٍ. أَحْبَبْتُهَا فِي كُلِّ حَالَاتِهَا بِضَحْكَتِهَا اَلْعَالِيَةِ، بِعَصَبِيَّتِهَا، بِدُمُوعِهَا، فَمَا يُغْضِبُ اَلنَّاسَ مِنْهَا أَرَاهُ عَفَوِيَّةً، طُفُولِيَّةً تَمَسُّ قَلْبِي أَكْثَرَ. أَحْبَبْتُهَا وَأَحْبَبْتُ فِكْرَهَا حِينَ تَقُولُ لِي: ” أَنَا لَا أَحْبُّ اَلرِّجَالَ اَللَامِعِينَ، أَحْبُّ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مُتْعَبِينَ وَيَضَعُونَ رُؤُوسَهُمْ عَلَى اَلْكَلَامِ قَبْلَ اَلْوِسَادَةِ. لَا تَجِيءْ مُحَمَّلًا بِالْبُطُولَةِ، وَلَا بِالسِّيرِ اَلذَّاتِيَّةِ عَنْ صَبْرِكَ، اُدْخُلْ كَمَا أَنْتَ بِقَلْبٍ فِيهِ شُرُوقٌ، وَصَوْتٍ لَا يَعْرِفُ دَائِمًا مَاذَا يَقُولُ. فَالتَّلَعْثُمُ لَهُ مَذَاقٌ وَفَهْمٌ أَكْثَرَ مِنْ اَلْفَصَاحَةِ. اُقْتَرِبْ بِلَا دُرُوعٍ، لَا تَرْفَعْ صَدْرَكَ كَأَنَّكَ تُحَارِبُ اَلْعَالَمَ، اَلْعَالَمُ لَيْسَ هُنَا، هُنَا اِمْرَأَةٌ تُرِيدُ أَنْ تَسْمَعَكَ تَتَنَفَّسُ فَقَطْ. اِمْرَأَةٌ تَقُولُ لَكَ بِهَمْسٍ:” حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِكَ مِنْ غَيْرِ اِخْتِصَارٍ فَمَا هُوَ تَافِهُ لَكَ ، هُوَ اَلْثِرَاءُ وَالشِّفَاءُ لِي.” أَحْبَبْتُهَا وَأَحْبَبْتُ صَمْتَهَا حِينَ نَتْرُكُهُ يَتَمَدَّدُ بَيْنَنَا كِقِطٍّ أَلِيفٍ. اَلصَّمْتُ مَعَهَا لَيْسَ فَجْوَةً، بَلْ شَكْلٌ آخَرُ مِنْ اَلْعِنَاقِ. وَتُحَادِثُنِي عُيُونُهَا قَائِلَةً:” لَا أُرِيدُكَ فَارِسًا، وَلَا رَجُلًا يُلَخِّصُهُ غِلَافُ اَلْحِكَايَةِ بِكَلِمَاتٍ مُخْتَصَرَةٍ، أُرِيدُكَ فَصْلًا مَفْتُوحًا، نَخْطِئُ فِيهِ مَعًا، وَنَضْحَكُ مِنْ اَلْأَخْطَاءِ بَدَلَ أَنْ نَخْجَلَ مِنْهَا. أَنَا لَا أَبْحَثُ عَنْ رَجُلٍ كَامِلٍ، أَنَا أَبْحَثُ عَنْ رَجُلٍ يَرْتَاحُ مِنْ كَمَالِهِ حِينَ يَقْتَرِبُ، يَنْسَى اِسْمَهُ قَلِيلًا، وَيَصِيرُ إِنْسَانًا، يَضَعُ قَلْبَهُ عَلَى اَلطَّاوِلَةِ وَيَقُولُ لِي بِهَدُوءٍ: “خُذِينِي كَمَا أَنَا…فَأَنَا تَعِبْتُ مِنْ اَلتَّمْثِيلِ”.




