حين يتحول المجرم إلى بطل… من المسؤول عن تشويه الوعي؟

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في السنوات الأخيرة، أصبح من اللافت – بل والمقلق – هذا التوجه الإعلامي المتزايد نحو تقديم أعمال درامية وسينمائية تتمحور حول حياة المجرمين، وتجار المخدرات، وأصحاب السلوكيات المنحرفة، ليس فقط من باب العرض أو التحذير، بل في كثير من الأحيان من باب “التجميل” و”الإنسانية” التي تصل إلى حد التعاطف غير المبرر.
لم يعد الأمر مجرد نقل لواقع أو معالجة لقضية اجتماعية، بل تحول في بعض الأعمال إلى نوع من الترويج غير المباشر لنمط حياة منحرف، حيث يتم تسليط الضوء على تفاصيل الجريمة، ووسائلها، ودهاء مرتكبيها، وكأن المشاهد أمام “دليل عملي” أو “رحلة ملهمة” لشخص بدأ من الصفر ووصل إلى القمة… حتى وإن كانت قمة الجريمة!
الأخطر من ذلك هو البناء الدرامي الذي يحرص على كسب تعاطف الجمهور مع هذه الشخصيات، فيُقدَّم المجرم كضحية ظروف، أو كبطل شعبي تحدى الفقر والظلم، فيغيب الحد الفاصل بين التعاطف الإنساني الطبيعي، وبين تبرير الجريمة أو تزيينها في أعين المشاهدين، خاصة الشباب.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:
أين النماذج الحقيقية التي تستحق أن تُروى قصصها؟
أين العلماء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الإنسانية؟
أين الكفاح الشريف لأناس بدأوا من لا شيء وبنوا نجاحهم بالحلال؟
أين قصص الأمهات المكافحات، والآباء الذين تحملوا المسؤولية في صمت، ورجال الأعمال الذين صنعوا كيانات اقتصادية بعرقهم واجتهادهم؟
بدلاً من تسليط الضوء على هذه النماذج الملهمة، يتم تهميشها لصالح شخصيات مشوهة القيم، مما يخلق خللاً حقيقياً في وعي المجتمع، ويزرع لدى البعض قناعة خطيرة مفادها أن الطريق غير المشروع قد يكون أسرع وأكثر إثارة.
الإعلام ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل هو قوة ناعمة تشكل العقول والاتجاهات. وعندما يُساء استخدام هذه القوة، تتحول إلى أداة هدم للقيم، بدلاً من أن تكون وسيلة لبنائها.
إن ما يحدث ليس مجرد “ترند” عابر، بل مهزلة حقيقية تستوجب وقفة جادة من صناع المحتوى، والنقاد، والجمهور نفسه. فالمشاهد ليس متلقياً سلبياً، بل شريك في صناعة النجاح أو الفشل لأي عمل.
نحن بحاجة إلى إعادة توجيه البوصلة… نحو أعمال تزرع الأمل، وتُعلي من قيمة الاجتهاد، وتُعيد الاعتبار للنماذج المشرفة التي تستحق أن تُخلد في الذاكرة، لا أن تُدفن تحت ضجيج بطولات زائفة لمجرمين لا يجب أن يكونوا قدوة بأي حال من الأحوال.
فالدراما التي تُمجّد الخطأ… تقتل الصواب بصمت.




