جَوَادٌ بِلَا فَارِسٍ بِقَلَمِ الأَدِيبِ د. طَارِق رِضْوَان جُمُعَة

في ساحاتِ الحياةِ، كثيرًا ما نُبصِرُ جِيادًا مُسَرَّجةً، تلمعُ حوافرُها، ويعلو صهيلُها… لكن لا فارسَ يمتطيها، ولا يدٌ تُحسنُ توجيهَها، فتظلُّ القوةُ مُعلَّقةً في الفراغ، والإمكانُ مُهدَرًا على قارعةِ الانتظار.
ما قيمةُ الجوادِ إن غابَ الفارس؟ لِذٰلِكَ أَرَى أَنَّ الحِكَايَةُ لَيْسَتِ حِكَايَةَ فَارِسٍ بِلَا جَوَادٍ، وَلَا مَأْسَاةَ مَنْ ضَاعَتْ مِنْهُ الأَدَوَاتُ وَتَعَثَّرَتْ بِهِ الطُّرُقُ، بَلِ الحِكَايَةُ كُلُّ الحِكَايَةِ فِي فَارِسٍ يَمْلِكُ الجَوَادَ، وَيَجْهَلُ كَيْفَ يَمْتَطِيهِ، أَوْ يَخْشَى أَنْ يُحَرِّكَهُ.
لَقَدِ اعْتَدْنَا أَنْ نَخْتَبِئَ خَلْفَ عِبَارَاتٍ بَرَّاقَةٍ، نُعَلِّقُ عَلَيْهَا عَجْزَنَا، وَنُبَرِّرُ بِهَا تَقَاعُسَنَا، فَنَقُولُ: لَا جَوَادَ، وَلَا سَبِيلَ، وَلَا فُرْصَةَ. وَفِي الحَقِيقَةِ، لَا نَفْقِدُ الجَوَادَ، بَلْ نَفْقِدُ الجُرْأَةَ، وَلَا تَنْقُصُنَا الإِمْكَانِيَّاتُ، بَلْ تَنْقُصُنَا الإِرَادَةُ.
مَقُولَةَ «فَارِسٍ بِلَا جَوَادٍ» تُعْفِي الفَارِسَ مِنِ اسْتِكْمَالِ المَسِيرَةِ بِحُجَّةِ نَقْصِ الإِمْكَانِيَّاتِ، لَكِنَّنَا شُعُوبٌ غَنِيَّةٌ، لَا يَنْقُصُنَا إِلَّا أَنْ نُحْسِنَ الِاسْتِخْدَامَ.
وما جدوى السيفِ إن لم تُمسكهُ يدٌ تُحسنُ الِاسْتِخْدَامَ؟
إنها حكايةُ زمانٍ كثُرَت فيه الوسائلُ، وقلَّت فيه الرجالُ الذين يُتقنون القيادة.
يقول علي بن أبي طالب:
“قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنُه”
فليست القيمةُ فيما نملك، بل فيما نُحسنُ توجيهَه، ولا في كثرةِ العُدَّة، بل في جودةِ القائد. ويُروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: “لا يغرنَّكم من المرءِ طنطنتُه، ولكن من أدَّى الأمانةَ وكفَّ عن أعراضِ الناس”
كأنَّه يُحذِّرنا من وهمِ الصوتِ العالي بلا فعل، ومن مظهرِ الفروسية بلا جوهر.
كم من عقولٍ لامعةٍ، وأموالٍ طائلةٍ، ومناصبَ سامقة… لكنها كـ”جوادٍ بلا فارس”، لا تُحسنُ السيرَ، ولا تبلغُ غايةً، لأنها افتقدت مَن يقودها بحكمةٍ، ويُلجمُ اندفاعَها ببصيرة.
وكم من أُممٍ امتلكت أسبابَ القوة، لكنها تعثَّرت لأن الفارسَ كان غافلًا، أو عاجزًا، أو مشغولًا عن دوره.
ويقول ابن خلدون:
“الملكُ إذا فسدَ فسدَتِ الرعية”. فالقائدُ إن ضلَّ، أضاع الجوادَ ومن عليه، وإن رشدَ، بلغَ به الآفاق. حَفِظَ اللَّهُ مِصْرَنَا الحَبِيبَةَ وَقَائِدَهَا وشعبها.
إن الجوادَ بلا فارسٍ خطرٌ أيضًا… فقد ينطلقُ بلا هُدى، أو يجمحُ بلا عقل، فيُهلكُ نفسَه ويُهلكُ غيرَه. فليست المشكلةُ دائمًا في غيابِ الحركة، بل في غيابِ التوجيه.
فكم من طاقةٍ مُدمِّرةٍ، لو وُجِدَ لها فارسٌ حكيمٌ، لصارت بناءً وعطاءً! ولقد صدق المتنبي حين قال:
“الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ… هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني”. فالفروسيةُ ليست قفزًا في الميدان، بل بَصيرةٌ تسبقُ الإقدام، وعقلٌ يقودُ القوة.
أيها القارئ… لا تكن جوادًا بلا فارس، ولا تملك من الأدوات ما لا تُحسنُ استعمالَه، ولا تركن إلى ما عندك من إمكاناتٍ فتغترَّ بها؛ فكم من نعمةٍ صارت نقمةً، حين غابَ عنها حُسنُ التدبير.
واجعل لنفسك فارسًا من وعيك، ولجامًا من حكمتك، فإن اجتمع الجوادُ والفارس، سارت الحياةُ إلى غاياتها، وبلغتِ الروحُ مراتبَها.
سأعطيك أمثلة تاريخية حيّة تُجسّد معنى “جواد بلا فارس”؛ أي إمكانيات عظيمة ضاعت لغياب القائد أو سوء التوجيه:
١. الأندلس في أواخر عهدها
كانت الأندلس تملك حضارةً مزدهرة: علم، عمران، جيوش، وثراء… لكنها تحوّلت إلى دويلات متناحرة (ملوك الطوائف). فسقطت تباعًا حتى انتهت بسقوط سقوط غرناطة.
٢ـ جيش الفرس أمام المسلمين في معركة معركة القادسية، كان جيش الفرس ضخمًا ومجهزًا، بقيادة رستم فرخزاد. لكن لأن القيادة كانت مرتبكة، بينما كان المسلمون بقيادة سعد بن أبي وقاص أكثر حسمًا وتنظيمًا. هُزم الفرس رغم تفوقهم المادي.
٣ـ الدولة العثمانية في أواخرها امتلكت أراضي شاسعة وجيوشًا ضخمة.
لكن ضعف السلاطين، وانتشار الفساد الإداري، جعلها تُسمى “الرجل المريض”.
٤ـ العرب قبل الإسلام
كانوا يملكون الشجاعة، الفصاحة، والقدرة القتالية…
لكنهم كانوا قبائل متفرقة، بلا مشروع موحّد، حتى جاء محمد بن عبد الله، فوحدهم ووجّه طاقتهم.
٥ـ فرنسا قبل الثورة
كانت دولة غنية وقوية،
لكن سوء الإدارة والظلم الاجتماعي أدى لانفجار داخلي.
الخلاصة الأدبية: التاريخ لا يرحم…فكم من أمةٍ امتلكت الجياد، لكنها سقطت لأن الفارس كان غائبًا أو غافلًا.
وكم من قوةٍ تحوّلت إلى ضعف، حين فُقد العقل الذي يقودها.
فليست العبرة بما تملك… بل بمن يقود ما تملك.
فمقولة «فارس بلا جواد» تُستخدم أحيانًا كذريعة نفسية للهروب من الفعل، وكأن العجز سببه الخارج فقط، بينما طرحك يعيد توجيه البوصلة نحو الداخل: هل المشكلة حقًا في قلة الإمكانيات أم في ضعف توظيفها؟
فكرتى تقترب من منطق حضاري واضح: ليست الأمم الفقيرة هي التي لا تملك، بل التي لا تُحسن إدارة ما تملك. فكم من شعوب قليلة الموارد صنعت مجدًا، وكم من أمم غنية تعثّرت لأنها لم تُحسن الاستخدام. “ليست المأساة أن يكون الفارس بلا جواد، بل أن يكون له جوادٌ ولا يُحسن امتطاءه.”
فالقوةُ بلا قائدٍ فوضى…
والوسيلةُ بلا عقلٍ هباء…
والجوادُ بلا فارسٍ… حكايةُ ضياع. “نحن لا ينقصنا الجواد، بل ينقصنا الفارس الذي يعرف كيف يسير.”
إِنَّنَا لَا نَنْقُصُ خَيْلًا، وَلَا تَخُونُنَا السُّبُلُ، وَلَكِنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى فَارِسٍ يُؤْمِنُ بِقُدْرَتِهِ، وَيُحْسِنُ تَوْجِيهَ خُطَاهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ البِدَايَةَ لَيْسَتْ فِي وُجُودِ الجَوَادِ، بَلْ فِي قَرَارِ الرُّكُوبِ.
فَلَا تَقُلْ: أَيْنَ الجَوَادُ؟ بَلْ قُلْ: هَلْ أَنَا فَارِسٌ حَقًّا؟




