جاوِر السعيد… تَسعد.

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في زمنٍ تتكاثر فيه الضغوط النفسية، وتشتد فيه وطأة الغلاء المعيشي، لم تعد المعاناة مجرد ظرف عابر، بل أصبحت واقعًا يوميًا يختبر صبر الإنسان واتزانه. وبين قسوة قلوب بعض البشر، والتدني الأخلاقي، وغياب الوعي الديني لدى كثيرين، يجد الإنسان نفسه أمام قرار مصيري: كيف يحافظ على سلامه النفسي وسط هذا الضجيج؟
لم يعد القريب دائمًا سندًا، ولا الجار بالضرورة رحمة، بل قد يتحول أقرب الناس إلى مصدر ألم خفي، يراقبونك بعيون لا تتمنى لك الخير، وقلوب امتلأت بالحقد أو الحسد. الجيران الذين كان يُضرب بهم المثل في المودة، أصبح بعضهم مصدر إزعاج وأذى نفسي، وزملاء العمل دخلوا في سباقات مرهقة لإثبات التفوق، ولو على حساب غيرهم. حتى العلاقات التي كنا نظنها آمنة، باتت تحمل في طياتها توترًا خفيًا واستنزافًا مستمرًا.
هنا، لا يكون الانسحاب ضعفًا… بل وعيًا.
أن تُغلق بابك أحيانًا، لا يعني أنك تهرب من الحياة، بل تحمي نفسك من استنزاف لا ضرورة له. أن تقلل احتكاكك بمن يؤذيك، ليس قسوة، بل رحمة بنفسك. فليس كل من اقترب منك يستحق البقاء، وليس كل من عرفك يستحق أن يشاركك تفاصيل حياتك.
“جاور السعيد تسعد”… ليست مجرد حكمة، بل أسلوب حياة.
جاور من ترتاح لوجوده، من يخفف عنك لا يزيدك همًا، من يفرح لفرحك بصدق، ويحزن لألمك دون شماتة. اختر من يملأ قلبك طمأنينة، لا قلقًا، ومن يمنحك طاقة إيجابية تعينك على الاستمرار، لا من يستنزفك حتى تفقد نفسك.
وفي المقابل، لا تنسَ أن السعادة الحقيقية لا تُبنى فقط بالابتعاد عن المؤذين، بل بالقرب من الله. فحين تضيق بك الدنيا، ويخذلك البشر، يبقى الاعتماد على الله هو الثبات الوحيد. هو الملجأ الذي لا يخذلك، والسند الذي لا يتغير.
اعتزل بقدر ما يحميك… لا بقدر ما يعزلك عن الحياة.
واختر صحبة تُشبه نقاء قلبك… لا قسوة واقعك.
فالحياة أقصر من أن تُهدرها في معارك لا تستحق، وأغلى من أن تُشاركها مع من لا يُقدّرها.
جاور السعيد… تسعد.




