يأجوج ومأجوج… حين يكون الاسم نبوءة ويصير الفساد قدرًا مؤجلًا

الكاتبه الصحفيه شيرين عصام
لم يكونوا شخصين كما أوحت الأسماء،
ولا كائناتٍ غامضة قادمة من الفضاء كما زعم الخيال المعاصر،
بل كانوا قبيلتين حقيقيتين من نسل يافث بن نوح،
قبيلتين حمل اسمهما ملامح طباعهما قبل أن يُكتب عنهما سطر واحد في التاريخ.
يأجوج… اسم مشتق من أجيج النار،
التهابٌ لا يهدأ، ولهيبٌ لا يعرف الرحمة.
ومأجوج… قيل من الماء الأُجاج،
ملوحة تحرق، أو من ماج الماء إذا اضطرب وتقلب بلا قرار.
وكأن اللغة نفسها شهدت عليهم قبل أن يراهم البشر.
لم تكن غرابتهم في أسمائهم وحدها،
بل في خلقتهم أيضًا…
وجوه عريضة مستديرة، مسطّحة ممتلئة،
عيون صغيرة غائرة،
شعر أسود يميل إلى الحمرة،
أجساد قوية، وبأس لا يُقاوم.
أما عددهم… فهنا تقف الكلمات عاجزة.
في الحديث الشريف إشارة مرعبة:
من كل ألف، واحد فقط من سائر بني آدم، والباقي من يأجوج ومأجوج.
تخيّل…
أمم تفوقنا عددًا، وتزيد علينا قوة،
فما حجم الفساد حين تجتمع الكثرة مع الغِلظة؟
فساد متكرر… ونجدة مؤجلة
كانوا أقوامًا لا يعرفون غير الإفساد.
كل عام يخرجون من بين الجبال،
ينهالون على القبائل المجاورة كالسيل الجارف،
يسلبون الخيرات،
يقتلون، يجرحون،
ثم يرحلون…
ويتركون خلفهم أرضًا مكسورة وقلوبًا لا تنسى.
حتى شاء الله أن يبعث في هذا المشهد رجلًا مختلفًا…
ذو القرنين.
لم يكن نبيًا،
ولا صاحب معجزة خارقة،
ولا وليًا تُخرق له السنن،
بل كان رجل أسباب.
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾
﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾
مكّنه الله بالعلم،
وأعطاه مفاتيح الهندسة والجغرافيا والفيزياء،
وعلّمه كيف تُدار القوة دون طغيان،
وكيف يُقام العدل دون ادعاء قداسة.
فأتبع الأسباب…
وسار في الأرض شرقًا وغربًا،
لا فاتحًا متجبرًا،
بل مصلحًا يُقيم ميزان الله حيثما حلّ.
مغرب الشمس… حين يسبق الإحسان العقوبة
بلغ أقصى الغرب،
لا حيث تغرب الشمس فلكيًا،
بل حيث ينتهي العمران في زمنه.
هناك، رأى الشمس كأنها تغوص في عينٍ حمئة،
طين أسود انعكس على الماء،
فبدت الشمس كأنها تدخل في مرآة مظلمة.
كان أهل تلك الأرض ظالمين،
فجاءه الاختيار الإلهي الصريح:
﴿إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾
والعجيب… أن الإحسان لم يكن ضعفًا،
بل كان إقامة للحجة.
قال:
﴿مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾
لاحظ: فسوف…
لا عقوبة فورية،
بل وعيٌ أولًا، وإنذار، ومهلة.
فمن أصرّ على الظلم بعد البيان، استحق الحساب.
مشرق الشمس… بشر بلا ظل
ثم اتجه شرقًا،
إلى أرضٍ لا ساتر فيها من الشمس،
لا شجر، لا بناء، لا مأوى.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾
شمس قاتلة،
نهار طويل،
يختبئون في الماء أو الكهوف،
ولا يخرجون إلا إذا غابت.
لم يذكر القرآن تفاصيل حكمه فيهم،
واكتفى بقوله:
﴿كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾
وكأن الرسالة واضحة:
ليس كل ما حدث يجب أن نعرفه،
فالعلم الكامل عند الله وحده.
بين السدين… حين يتكلم العلم لغة النجاة
ثم كانت المحطة الفاصلة…
قوم يعيشون بين جبلين،
جيرانًا ليأجوج ومأجوج.
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾
قيل عجزًا من الرعب،
وقيل لغة غريبة،
وقيل جهلًا بالعلم،
وقيل تواصلًا بالإشارة.
لكنهم عرفوه.
عرفوا أن هذا الرجل يُنقذ ولا يستغل.
عرضوا المال…
فرفض.
العلم الذي أعطاه الله له أغنى من كنوزهم.
طلب شيئًا واحدًا فقط:
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾
أيادٍ تعمل، لا أموال تُغري.
وصحّح المفهوم:
لسنا نبني سدًّا…
بل ردمًا.
فالسد بناء حي يفنى،
أما الردم فبناء ميت…
يعمر ما شاء الله له أن يعمر.
حديدٌ مُحكم،
نارٌ تُلهب،
نحاسٌ مُذاب يُسكب،
فتفاعلٌ يصنع معجزة علمية قبل أن تكون قصة دينية.
ردم لا يُكسر،
ولا يُتسلّق.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾
الوعد الحق… حين تنهار القوة أمام كلمة
ظلوا يحفرون كل يوم…
حتى إذا لاح النور،
قال قائدهم: نكمل غدًا.
فيعود كما كان.
حتى يأتي اليوم الذي يقول فيه:
نكمل غدًا… إن شاء الله.
فتتوقف الحماية،
ويأتي الوعد.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾
فينتشرون،
﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾
كالسيل، كالنمل، كالنار.
ويشربون بحيرة كاملة في مرور واحد،
ثم يقول آخرهم:
لقد كان هنا ماء.
نهاية الجبروت… بحشرة
وعندما يبلغ الفساد منتهاه،
لا يُهلكهم الله بجيش،
ولا بسلاح،
بل بـ نغف…
حشرة صغيرة في أنوفهم.
ليسقطوا جميعًا.
درس لا ينسى:
لا تُعظّم السبب…
عظّم المُسبِّب.
المصدر:
قصص الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله




