العاشر من رمضان… حين صام الجسد وانتصر الوطن

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في مثل هذا اليوم الخالد، العاشر من رمضان 1393هـ، الموافق السادس من أكتوبر 1973م، سطّر الجيش المصري ملحمة ستظل محفورة في ضمير الأمة. لم يكن يومًا عاديًا في تاريخ الحروب، بل كان شاهدًا على أن الإيمان حين يتجسد في رجال، يصبح قوة لا تُقهَر، وأن الصيام لم يكن ضعفًا يومًا، بل كان سرًّا من أسرار الصمود.
في حرب أكتوبر، وقف جنود مصر على الضفة الغربية لقناة السويس، بقلوب عامرة بالإيمان، وأيدٍ تمسك السلاح، وألسنة تلهج بالدعاء. عبروا الماء كما يعبر المؤمنون إلى وعد الله، وأسقطوا أسطورة “الجيش الذي لا يُقهَر”، وحطموا خط بارليف الذي ظنه العدو حصنًا أبديًا.
كان العاشر من رمضان رسالة سماوية قبل أن يكون خطة عسكرية. رسالة تقول إن النصر ليس بعدد العتاد، بل بصدق العقيدة. قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۭا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).
هؤلاء هم شهداء أكتوبر… لم يغيبوا، بل ارتقوا. لم يُدفنوا، بل عُلِّقت أرواحهم في عليين.
وقال عز وجل:
﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌۭ صَدَقُوا مَا عَـٰهَدُوا ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ (الأحزاب: 23).
وكأن الآية نزلت تصف وجوههم، وهم يعبرون القناة، يبتسمون للموت كما يبتسم العاشق للقاء، لأنهم أيقنوا أن التضحية لأجل الوطن عبادة، وأن الدفاع عن الأرض شرف لا يضاهيه شرف.
لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت معركة كرامة. بعد سنوات من الانكسار، جاء العاشر من رمضان ليغسل جراح الأمة، ويعيد إليها ثقتها بنفسها. ارتفع العلم المصري على الضفة الشرقية، وارتفعت معه رؤوس شعب بأكمله.
قال تعالى:
﴿وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (آل عمران: 126).
وهكذا كان… نصرٌ أتى بعد صبر، وعزٌّ جاء بعد ابتلاء، وفرحةٌ وُلدت من رحم الألم.
إن شهداء أكتوبر ليسوا أسماءً في كتب التاريخ، بل هم نورٌ في وجدان هذا الوطن. دماؤهم ليست ذكرى، بل عهد. عهد أن تظل مصر عصيّة على الانكسار، قوية بأبنائها، عزيزة بإيمانها.
العاشر من رمضان ليس فقط تاريخًا نحتفل به، بل درسًا نتعلمه:
أن الأمة التي تعرف طريق السماء، لا تضل طريق الأرض.
وأن الجندي الذي يصوم لله، ويقاتل دفاعًا عن وطنه، يجمع بين عبادة السجود وعبادة الجهاد المشروع دفاعًا عن الأرض والعِرض.
سلامٌ على أرواحهم الطاهرة…
سلامٌ على من كتبوا بدمائهم معنى الوطن…
وسلامٌ على مصر، التي أنجبت رجالًا إذا قالوا فعلوا، وإذا عاهدوا صدقوا، وإذا استشهدوا خلدوا .




