مقالات

رؤية أدبية فى نحت الذات البشرية.. بقلم الأديب د. طارق رضوان جمعة

هل يمكن أن ينحت بعضنا بعضاً؟ هل يمكن أن نتحكم فى علاج أو تشكيل النفس البشرية؟ هل مشاعر نرثها عبر الأجيال رغم أننا لم نمر بهذه التجارب المرعبة؟
حين رأى النَحات بجماليون، فى الأسطورة الإغريقية، أنه لا يوجد امرأة كاملة، قرر أن ينحت تمثال بالمواصفات التى في خياله، وظل يتأمل التمثال، يُكلمه، ويتعامل معاه كأنه حي… حتى وهبت الإلهة أفروديت الروح للتمثال. علماء النفس أخذوا هذه الفكرة وبدأوا عمل تجربة نفسية تربوية حين زاروا مدرسة ابتدائية وقاموا بعمل اختبارات للذكاء، ثم أخبروا المدرسين أن هذه المجموعة من الطلاب سوف يحققوا طفرة فى الذكاء خلال عام. وبالفعل بدأ المدرسون يهتمون أكثر بهذه المجموعة
من خلال صبر أطول، تشجيع أكبر، فرص للمشاركة، تصحيح أخطاء بطريقة ألطف.
الحقيقة؟ الاختبار كان عشوائي ولا يوجد أى طفرة . لكن اهتمام المدرسين واقتناع الطلاب بأنهم قادرين على تحقيق درجات أعلى ، حقق فعلا طفرة فى مستواهم مقارنًة بزملائهم. ليس لأن هذه المجموعة أذكى ولكن لأن هناك من رأهم أذكى.

التوقع خلق معاملة مختلفة،
المعاملة المختلفة خلقت أداء مختلف، والأداء المختلف أكد التوقع.

الأمر ذاته موجود حولنا فالأم التى ترى ابنها مسؤول…ستعطى له مساحة يتحمل المسؤولية.

فيكبر مسؤول. والأنثى التى ترى الخيانة فى كل الرجال،
هتتعامل بحذر، شك، اختبار مستمر، فيشعر الرجل إنه متهم طول الوقت…فيبدأ ينسحب، فتقول: “كنت عارفة”. هذه النتيجة لم تحدث لأنها على صواب، ولكن لأن توقعاتها خلقت الجو المناسب لهذا. بالمثل الزوج الذى يرى زوجته ضعيفة…هيتصرف بحماية زائدة وتظل هى تعتمد عليه أكتر، فيقول: “ما هي فعلًا ضعيفة”
المدير الذى يرى الموظف “غير كفء”… لن يكلفه بمشاريع مهمة، وبالتالى الموظف لن يتطور والمدير يقول: “كنت عارف”
الأخطر تأثير بجماليون الداخلي لو أنك المدرس والطالب في نفس الوقت
فلو بداخلك اعتقاد:“ أنا مش كفاية”، عقلك هيتعامل معك على هذا الأساس من تجنب فرص، خوف من التجربة، انسحاب. وفي الآخر تقول:

“ أنا فعلًا لست كفء .”
لا يحدث هذا لأنها الحقيقة، ولكن لأن التوقع صاغ السلوك.

الفكرة ليست أن نضحك على أنفسنا، لكن الفكرة إنك تدرك أن نظرتك قوة،،، نظرتك لابنك، لشريكك،
لفريقك، لنفسك. اختار شخص واحد فى حياتك على الأقل يمكنه نحتك، شخص يراك قادر على أن تكون أفضل. هذا الشخص يمكنه تغيير مسار حياتك
ومن هنا يبدا الشفاء. لأن كل متوقع آت.

الشفاء يبدأ لما نغير التوقع. حاول السيطرة على الواقع حتى يتناسب مع الصورة التى بداخلنا. “سواء ظننت أنك تستطيع أو ظننت أنك لا تستطيع… فأنت على حق”
— هنري فورد.

الطفل الذى أعتاد على معاملة أب قاسى، جسمه اتعلم يقرأ أي حركة كأنها خطر: الصوت العالي تهديد، والغضب كارثة، والغلط عقاب. تجد هذا الطفل يدافع بسرعة كأن أحد أو شىء يهاجمه، تجده يتوقع الرفض قبل ما يحصل، يغضب فجأة بدون سبب واضح، ويعاني من أعراض قلق رغم أن حياته آمنة. كل هذا ناتج طبيعى لمعاناته.
لكن لما تجد ابنك بيتصرف كأنه عاش مأساة رغم إنك لم تعامله بعنف، وتجده دائم الخوف من لا شىء… فما السبب؟

لسنوات طويلة كانت الإجابة السهلة: تدليل، ضعف، حساسية زيادة، جيل متدلع
لكن يمكن لأول مرة العلم بدأ يُقدٓم إجابة مختلفة
ليست نفسية فقط، لكن بيولوجية أيضًا. ممكن يكون الجسم ورث “لغة الخوف”
لأن العلوم العصبية والـ Epigenetics، علم طريقة تشغيل الجينات، بدأت تفتح باب مهم.

هل ممكن التجارب القاسية تترك أثر يعبر للأجيال؟
تخيّل جدك الأول خرج للصيد وتأذى من حيوان مفترس، اتعلم بالطريقة الصعبة إن صوت أو رائحة معينة معناها خطر. لم يكن للبشرية أن تكمل لو كل جيل يبدأ من الصفر. لكن لما الجسم ينقل التحذير للأبناء فرص النجاة تزيد. كأن الطبيعة بتقول: “ليس ضرورى أن ينكسر كل فرد
لكى يتعلم”. الخبرة انتقلت من جسد لجسد للحماية. وهذا لهدف التطور.
إننا نتعلم من أخطاء السابقين رغم أننا لم نحضرها. لكن المشكلة إن العالم اتغير الخطر الذى كان زمان ينقذ الحياة ممكن الآن يمنعها.

الجهاز العصبي الذى اعتاد الهروب من غابة أصبح يعيش في مدرسة أو شغل أو علاقة، فبدل ما يحمي… يبدأ يمنع الحياة نفسها. لذلك نفس العلم الذى قال إن الصدمة ممكن تنتقل قال إن المخ قادر يتغير طول العمر ‏Neuroplasticity المرونة العصبية. يعني المخ يعيد كتابة نفسه. حافظ على كل شخص يسمعك بدون حُكم بداخلك … فهذا لحمايتك. كل علاقة آمنة… رسالة جديدة بتوصل للجسم، كل احتواء حقيقي… كأنه بيقول للجهاز العصبي: “اهدَى… انتهت الحرب”
الأمان مش رفاهية. الأمان علاج. التعاطف مش ضعف. التعاطف إعادة برمجة.
ختامًا أجدادك حملوا الخوف ليوفروا لك الحماية. دورك تتعلم كيف تعيش. أشكر الألم على الرسالة التى وصلها لك، ثم اترك الألم لا تتبناه. ليس الشفاء فى إنك تنكر ما حدث، لكن الشفاء إنك لا تظل عايش به وله.

الأمان الحقيقي، الاحتواء،
التراحم، عدم إصدار الأحكام، العلاقات الدافئة، العلاج النفسي، التنفس الواعي، الصيام والتأمل كلها تجارب تحمل رسائل.

كأن الجسم يقول: “شكرًا على التحذير… لكن لم أعد بحاجه إليه الأن”
هذه ليست خيانة للماضي، بل تكريم له. لأن أعظم امتنان لألم أجدادك… ليس أن تكمله، لكن إنك تنهيه وتكتفى بالمعرفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى