مقالات

اِقْتِصَادُ الْاِنْتِبَاهِ بِقَلَمِ الْأَدِيبِ الْمِصْرِيّ د. طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةٍ

حين تسبقك الشاشات إلى ذاتك…

لِمَّا صِرْنَا نُفَاجَأُ بِمَا نَرَى، وَكَأَنَّ مَا نُخْفِيهِ فِي الصُّدُورِ قَدْ سُرِّبَ إِلَى الشُّعُور؟
لِمَّا نُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ، فَتُسَارِعُ الشَّاشَاتُ بِعَرْضِهِ، كَأَنَّهَا تَتَنَصَّتُ عَلَى خَوَاطِرِنَا، أَوْ تَتَجَسَّسُ عَلَى أَسْرَارِنَا؟

أَهِيَ قُدْرَةٌ خَفِيَّةٌ، أَمْ حِكْمَةٌ رَقْمِيَّةٌ، أَمْ نَحْنُ الَّذِينَ نَكْتُبُ سِيرَتَنَا بِأَصَابِعِنَا ثُمَّ نَتَعَجَّبُ مِمَّا كَتَبْنَا؟
إِنَّهَا حِكَايَةُ الْإِنْسَانِ مَعَ مِرْآةٍ لَا تَعْكِسُ وَجْهَهُ، بَلْ تَعْكِسُ سُلُوكَهُ؛ لَا تَرَى مَا يُخْفِيهِ، بَلْ تُحْصِي مَا يُبْدِيهِ؛ لَا تَفْهَمُ مَعَانِيهِ، بَلْ تَجْمَعُ مَبَانِيهِ.

نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الشَّاشَاتِ تَقْرَأُ الْأَفْكَارَ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا تَقْرَأُ الْآثَار؛ نَحْنُ نُخْفِي النِّيَّاتِ، وَلَكِنَّنَا نُفْصِحُ عَنْهَا بِالْعَادَاتِ؛
نَحْنُ نَكْتُمُ الرَّغَبَاتِ، وَنُفْضِحُهَا بِالتَّوَقُّفِ، وَبِالنَّقْرَاتِ، وَبِطُولِ النَّظَرَاتِ.

فَكُلُّ تَوَقُّفٍ عِنْدَ صُورَةٍ هُوَ اعْتِرَاف، وَكُلُّ إِعَادَةٍ لِمُشَاهَدَةٍ هِيَ إِقْرَار، وَكُلُّ بَحْثٍ هُوَ سِرٌّ مُعْلَنٌ فِي دَفَاتِرِ الْخَوَارِزِمَاتِ.

فَلَا عَجَبَ إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْنَا أَفْكَارُنَا فِي ثَوْبِ إِعْلَانٍ، وَلَا غَرَابَةَ إِذَا صَارَتْ رَغَبَاتُنَا مَشْهَدًا مُكَرَّرًا عَلَى كُلِّ شَاشَةٍ وَمَكَان.

وَمَعَ ذَلِكَ، يَبْقَى السُّؤَالُ: هَلْ هِيَ تَفْهَمُنَا حَقًّا، أَمْ نَحْنُ الَّذِينَ نُسَلِّمُهَا مَفَاتِيحَنَا طَوْعًا وَاخْتِيَارًا؟

إِنَّ مَا نُسَمِّيهِ “فَهْمًا” لَيْسَ إِلَّا تَرْكِيبًا دَقِيقًا لِمَا تَفَرَّقَ مِنَّا؛ هِيَ تَجْمَعُ فُتَاتَ أَيَّامِنَا، وَتَخِيطُهُ فِي ثَوْبٍ يُشْبِهُنَا؛
تَرَى مَا نُحِبُّ، وَلَكِنَّهَا لَا تَعْلَمُ لِمَاذَا نُحِبُّ؛ تُدْرِكُ مَا نَخْتَارُ، وَلَكِنَّهَا لَا تُدْرِكُ لِمَاذَا نَتَرَدَّدُ؛ تَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ نَذْهَبُ، وَلَا تَعْرِفُ لِمَاذَا نَهْرُبُ.

هِيَ لَا تَعْرِفُ الْوَحْشَةَ فِي قُلُوبِنَا، وَلَا تَسْمَعُ صَرِيرَ الْقَلَقِ فِي صُدُورِنَا، وَلَا تَرَى دُمُوعًا تَسِيلُ فِي الظَّلَامِ دُونَ شَاهِدٍ وَلَا كَلَام. إِنَّهَا تَعْرِفُ مَتَى تَضْحَكُ، وَلَكِنَّهَا لَا تَعْرِفُ مَتَى تَبْكِي؛ تَعْرِفُ مَا تُشَاهِدُ، وَلَكِنَّهَا لَا تَعْرِفُ مَا تُخْفِي.

وَمِنْ هُنَا يَأْتِي الْخَلْطُ، وَيَنْشَأُ الْوَهْمُ:
نَظُنُّ أَنَّ مَنْ يَسْبِقُنَا إِلَى رَغَبَاتِنَا، هُوَ أَعْلَمُ بِنَا؛ وَنَغْفَلُ أَنَّ السَّبْقَ لَيْسَ دَلِيلَ الْفَهْمِ، بَلْ دَلِيلُ الْمُرَاقَبَةِ.

فَأَيْنَ الْإِنْسَانُ فِي كُلِّ هَذَا؟ أَيْنَ ذَلِكَ الَّذِي يَجْلِسُ إِلَيْكَ لَا لِيُحَلِّلَكَ، بَلْ لِيُوَاسِيكَ؟ أَيْنَ مَنْ يَسْمَعُ صَمْتَكَ، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ كَلِمَاتِكَ؟ إِنَّ الْفَهْمَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُقَاسُ بِسُرْعَةِ الِاسْتِجَابَةِ، بَلْ بِعُمْقِ الْإِحَاطَةِ؛ لَا يُقَاسُ بِمَا يُعْرَضُ لَكَ، بَلْ بِمَا يُشْعِرُكَ بِالْأَمَانِ؛ لَا يُقَاسُ بِمَا يَجْذِبُ انْتِبَاهَكَ، بَلْ بِمَا يُطْمَئِنُ رُوحَكَ. فَلَا تَغْتَرَّ بِمِرْآةٍ تُحْسِنُ عَرْضَكَ، وَلَا تَفْهَمُكَ؛
وَلَا تَخْدَعْكَ شَاشَةٌ تُجِيبُكَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ، فَهِيَ لَا تَسْمَعُكَ حِينَ تَصْمُتُ، وَلَا تَرَاكَ حِينَ تَنْكَسِرُ.

وَاذْكُرْ دَائِمًا: أَنَّكَ لَسْتَ مَا تَشَاهِدُ، وَلَا مَا تَنْقُرُ، وَلَا مَا تَبْحَثُ عَنْهُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَار؛ أَنْتَ أَعْمَقُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، وَأَبْعَدُ مِنْ كُلِّ حِسَاب. فَإِذَا سَبَقَتْكَ الشَّاشَاتُ إِلَى بَعْضِكَ، فَلَا تَظُنَّ أَنَّهَا بَلَغَتْ كُلَّكَ؛
وَإِذَا أَحْسَسْتَ أَنَّهَا تَفْهَمُكَ، فَتَذَكَّرْ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُكَ… بَلْ تَعْرِفُ أَثَرَكَ.
وَبَيْنَ “مَنْ يَعْرِفُ أَثَرَكَ” وَ“مَنْ يَفْهَمُ قَدْرَكَ”…تَكْمُنُ الْحِكَايَةُ كُلُّهَا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى