أسامة البيطار يكتب.. بين العاطفة والمصلحة أين يقف المواطن العربي في زمن الحروب؟

مصر والأردن نموذج الاستقرار
عندما تمرّ الصواريخ فوق سماء الأردن، لا يمرّ معها الحديد فقط، بل تمرّ معها أسئلة ثقيلة في وعي المواطن العربي.
في لحظة واحدة يجد الإنسان نفسه بين شعورين متناقضين الخوف على استقرار بلده، والارتياح لرؤية إسرائيل تحت الضغط.
هذه المفارقة ليست مجرد حالة عاطفية عابرة، بل تعبير عن أزمة أعمق في الوعي السياسي في الشرق الأوسط.
فالمواطن العربي اليوم يعيش داخل منظومتين متوازيتين منظومة المصالح… ومنظومة الوجدان.
من جهة، ترتبط حياة كثير من العرب عمليًا بالنظام الاقتصادي العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
اقتصاداتنا مرتبطة بالدولار،جامعات أبنائنا في الغرب،وعشرات الآلاف من العائلات العربية لديها أبناء يعيشون في الولايات المتحدة أو أوروبا.
لكن في المقابل، يبقى الوجدان السياسي العربي مرتبطًا بقضية لم تغادر الوعي منذ عقود… فلسطين.
وهنا تبدأ المفارقة.
كثيرون في المنطقة لا يحبون إيران، ولديهم تحفظات عميقة على دورها في المنطقة وعلى تدخلاتها في بعض الصراعات العربية.
لكن عندما يرون غزة تُقصف، ومدنًا تُدمّر، ومدنيين يُقتلون، يتغير ميزان المشاعر ليس حبًا في إيران، بل غضبًا من إسرائيل.
غير أن السياسة لا يمكن أن تُدار بالعاطفة وحدها.
فالتاريخ القريب في الشرق الأوسط يقدّم درسًا قاسيًا .. الدول التي تحولت إلى ساحات صراع لم تنتصر للقضية الفلسطينية… بل خسرت نفسها أولًا.
العراق لم يقترب من تحرير فلسطين عندما انهار وسوريا لم تخدم القضية الفلسطينية عندما تحولت إلى حرب داخلية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه المواطن العربي اليوم ليس
مع من نقف في هذه الحرب؟
بل سؤال آخر أكثر عمقًا وهو
كيف نحمي دولنا من أن تتحول إلى ساحات لهذه الحروب؟
ففي الشرق الأوسط اليوم لم تعد معركة البقاء بين جيوش فقط، بل بين الدولة والفوضى.
وهنا تظهر أهمية نموذجين أساسيين في المنطقة: مصر والأردن.
فإذا كان الأردن يمثل نقطة التوازن في المشرق، فإن مصر تمثل العمود الأكبر للاستقرار في العالم العربي.
الدولتان، رغم اختلاف الحجم الجغرافي الديمغرافي بينهما، تؤديان دورا متشابهًا في البيئة الإقليمية وهي حماية فكرة الدولة الوطنية في منطقة تعرضت خلال العقد الأخير لموجة تفكك غير مسبوقة.
انظر إلى الخريطة حولنا
العراق تعرض لانهيار عميق في مؤسسات الدولة سوريا تمزقت بفعل حرب طويلة. ليبيا انقسمت إلى كيانات متصارعة. لبنان يعيش أزمة بنيوية تهدد استقرار دولته.
وفي وسط هذا المشهد المضطرب بقيت مصر والأردن من الدول التي حافظت على استمرارية الدولة ومؤسساتها.
وليس ذلك صدفة.
فالدول التي تقع في مواقع جيوسياسية حساسة لا تستطيع أن تعيش بسياسة الانفعال، بل بسياسة التوازن.
الأردن، بحكم موقعه بين فلسطين وسوريا والعراق والسعودية، يمثل عقدة جيوسياسية في قلب المشرق.
وأي اضطراب كبير فيه قد يفتح سلسلة من الأزمات تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط.
أما مصر، بحكم وزنها الديمغرافي والجغرافي، فهي تمثل العمود الأكبر للاستقرار العربي، وهي الدولة التي تمسك اليوم بمفاتيح أساسية في إدارة الصراع حول غزة وملف التهدئة والوساطة الإقليمية.
ولهذا فإن القضية الفلسطينية نفسها لم تعد مجرد صراع عسكري، بل أصبحت قضية توازن سياسي إقليمي.
مصر تمسك ببوابة غزة،والأردن يحمل الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس وبين هذين الدورين يتشكل أحد أهم محاور الاستقرار في المنطقة.
ولهذا فإن الدفاع عن فلسطين لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ بحماية الدول التي ما تزال قادرة على الدفاع عن هذه القضية سياسيًا وإنسانيًا.
ففي عالم مضطرب، قد يبدو الانفعال سهلًا، لكن الدول لا تعيش بالانفعال.
الدول تعيش بالعقل السياسي، وبالقدرة على حماية نفسها من أن تتحول إلى ساحة لحروب الآخرين.
ولهذا تبقى الحقيقة الأهم في زمن الفوضى الإقليمية، يصبح بقاء الدولة مستقرة بحد ذاته إنجازًا سياسيًا.
ومصر والأردن اليوم تقفان، كلٌ بطريقته، على خط الدفاع الأخير عن فكرة الدولة في الشرق الأوسط.



