مقالات

” سَّيْفِ الْأَمَلِ” بِقَلَمِ الْأَدِيبِ الْمِصْرِيِّ د. طَارِقِ رِضْوَانِ جُمُعَةٍ

فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، حَيْثُ الظِّلَالُ تَتَرَاقَصُ عَلَى جُدْرَانِ الْقَاعَةِ، وَقَفَ الْعِرَافُ، رَجُلِ الْمَوْتِ الْقَادِمِ، أَمَامَ طَارِقٍ. وكَانَتْ كَلِمَاتُ الْعِرَافِ كَالسَّيْفِ الْحَادِّ، تَقْطَعُ أَوْهَامَ الْحَيَاةِ وَتَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَوْتِ. لَكِنْ طَارِقٌ، بِكُلِّ ثِقَةٍ وَهَدُوءٍ، وَاجَهَ الْمَوْتَ بِفَلْسَفَةِ الْحَيَاةِ، وَأَظْهَرَ أَنَّ الْخُلُودَ لَيْسَ إِلَّا عُبُورًا عَبْرَ جِسْرِ الْمَوْتِ.

الْعِرَافُ : سَتَمُوتُ غَدًا يَا طَارِقَ.
طَارِقٌ: مِنْ الْآنَ إِلَى الْغَدِ قَدْ يَكُونُ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ سَنَوَاتِي السَّابِقَةِ. فالْمَوْتُ لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ بَدَايَةُ الْحُرِيَّةِ، إِنَّهُ نِهَايَةُ الْخَوْفِ مِنْ الْمَوْتَ. فالْمَوْتُ جُزْءٌ مِنْ الطَّبِيعَةِ، فَلِمَاذَا نَخَافُهُ؟

الْعِرَافُ: هَلْ أَنْتَ حَاقِدٌ عَلَى مَنْ ظَلَمُوكَ؟
طَارِقٌ: لَا… الْحِقْدُ عُقُوبَةٌ أُوقِعَهَا عَلَى نَفْسِي قَبْلَ غَيْرِي. فالَانْتِقَامُ يُفْسِدُ الْقَلْبَ أَكْثَرَ مِنْ الْعَذَابِ نَفْسِهِ.

الْعِرَافُ: وَهَلْ كَانَتِ الْحَيَاةُ تَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا؟
طَارِقٌ: لَا، لَا تَسْتَحِقُّ… لَكِنَّ الْمَوْتَ هُوَ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ.
الْعِرَافُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا طَارِقُ؟
طَارِقٌ: إِنَّ الْعُبُورَ إِلَى الْخُلُودِ يَمُرُّ عَبْرَ جِسْرِ الْمَوْتِ.

الْعِرَافُ: وَهَلْ هُنَاكَ مَنْ يَخْلُدُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؟
طَارِقٌ: الْخُلُودُ مُكَافَأَةُ الْأَنْفُسِ الَّتِي أُزْهِقَتْ عَلَى مَذَابِحِ الْحَقِيقَةِ.
الْعِرَافُ: لِمَاذَا لَا تَبْدُو خَائِفًا؟

طَارِقٌ: لِأَنِّي خَالٍ مِنْ الْأَمَلِ… وَمَنْ يَخْلُو مِنْ الْأَمَلِ يَخْلُو مِنْ الْخَوْفِ.
الْعِرَافُ: هَلْ تَخْشَى الْعَذَابَ؟
سَأَغْرِقُكَ كَمَا خَرَقَ الْخَضِرُ سَفِينَةَ الْيَتِيمَيْنِ..

طَارِقٌ: الْخَوْفُ مِنْ الْعَذَابِ أَشَدُّ مِنْ الْعَذَابِ نَفْسِهِ.
اُنْظُرْ لَتَهْذِيبِ اللَّهِ لِلنَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ وَلِمُوسَى حِينَ أُلْقِيَ مُوسَى فِي النَّهْرِ رَضِيعًا وَتِلْكَ كَانَتْ قِمَّةَ الْمِحَنِ لَهُ. حِينَ خُرِقَتْ حِمَايَتُهُ الْأُولَى لِيُنْجَى مِنْ مَلِكٍ كَانَ يُرِيدُ قَتْلَهُ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ. فَكَانَ الْخَرْقُ رَحْمَةً لَا هَلَاكًا وَكَانَ الْكَسْرُ بَدَايَةَ النَّجَاةِ الَّتِي لَمْ يَفْهَمْهَا مُوسَى حِينَهَا.

الْعِرَافُ: وَكَيْفَ تُوَاجِهُ الْمَوْتَ بِكُلِّ هَذَا الْهَدُوءِ وَالصَّبْرِ وَالِاطْمِئْنَانِ؟
طَارِقٌ: لِأَنَّنِي أَدْرَكُ أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ مِلْكِي، وَالْمَوْتَ لَيْسَ شَرًّا. فَقَدْ عِشْتُ حَيَاتِي كَمَا يَجِبُ، وَالْمَوْتُ لَيْسَ إِلَّا خُطْوَةً أَخِيرَةً. فَأَنَا أَدْرَكُ أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ. عليك أن تعْلَمْ أَنَّ النَّهْرَ لَمْ يَجِفَّ بَعْدَ وَأَنَّ السَّفِينَةَ لَا تَزَالُ تُخْرَقُ كُلَّ يَوْمٍ فِي قَلْبِكَ الْآنَ وَأَنَّ الْغُلَامَ لَمْ يُقْتَلْ فِي الْمَاضِي بَلْ يُقْتَلُ فِيكَ كُلَّمَا اقْتَرَبَ النُّورُ مِنْكَ خُفِيَّةً وَأَنَّ الْجِدَارَ الَّذِي أُقِيمَ لَمْ يَكُنْ حِجَارَةً بَلْ سِرًّا مَحْفُوظًا فِي صَدْرك.

الْعِرَافُ: هَلْ تُفَكِّرُ فِي مَا سَتَخْلُفُهُ وَرَاءَكَ؟
طَارِقٌ: مَا نَخْلُفُهُ وَرَاءَنَا لَيْسَ مُهِمًّا، الْمُهِمُّ كَيْفَ عِشْنَا حَيَاتَنَا.
الْعِرَافُ: سَأَجْعَلُ حَيَاتَكَ جَحِيمًا يَا طَارِقَ.
طَارِقٌ: الْجَحِيمُ هُوَ أَنْ تَعِيشَ بِلَا هَدَفٍ. الْجَحِيمُ هُوَ أَنْ تَعِيشَ بِلَا هَدَفٍ. الْجَحِيمُ هُوَ أَنْ تَعِيشَ بِلَا فَلْسَفَةٍ وَبِلَا قُوَّة
الْعِرَافُ: سَأَسَلَّطُ عَلَيْكَ كُلَّ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ.

طَارِقٌ: الْعَذَابُ هُوَ أَنْ تَعِيشَ بِلَا حُرِيَّةٍ وَبِلَا اسْتِقْلَالٍ، بِلَا لَذَّةٍ وَبِلَا إِرَادَةٍ.
الْعِرَافُ: سَأَجْعَلُ النَّاسَ يَكْرَهُونَكَ.
طَارِقٌ: الْكَرَاهِيَةُ هِيَ عَذَابُ مَنْ يَكْرَهُ.
الْعِرَافُ: سَأُدَمِّرُ كُلَّ مَا تُحِبُّ.
طَارِقٌ: الْحُبُّ هُوَ مَا يَجْعَلُ الْحَيَاةَ تَسْتَحِقُّ الْعَيْشَ.

الْعِرَافُ: سَأَجْعَلُ مِنْكَ عِبْرَةً لِلْجَمِيعِ يَا طَارِقَ.
طَارِقٌ: الْعِبْرَةُ هِيَ أَنْ تَعِيشَ بِلَا كَرَامَةٍ.
الْعِرَافُ: سَأَجْعَلُ مِنْكَ مِثَالًا لِلْخَوْفِ.

طَارِقٌ: لَا خَوْفَ بِإِذْنِ اللَّهِ، اُنْظُرِ إلى الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ وَانْظُرِ الْحِكْمَةَ خَلْفَ هَذَا. فَمُوسَى وَالْخَضِرُ حِينَ لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ فَاشْتَدَّ الْإِنْكَارُ لَكِنَّ الْغُلَامَ لَمْ يَكُنْ شَخْصًا مُنْفَصِلًا بَلْ كَانَ نَفْسًا نَمَتْ فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ نَفْسًا تَرَبَّتْ فِي حِضْنِ الْقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَطْغَى وَتُفْسِدَ فَكَانَ قَتْلُهَا هُوَ نَجَاةَ الْقَلْبِ مِنْ انْحِرَافٍ كَانَ سَيَمْنَعُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِ..
فَالْقِصَّةُ لَمْ تَكُنْ عَنْ مُوسَى وَحْدَهُ بَلْ عَنْ كُلِّ قَلْبٍ يَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ، كُلُّ قَلْبٍ يُلْقَى فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ دُونَ أَنْ يَفْهَمَ إِلَى أَيْنَ يُحْمَلُ، كُلُّ قَلْبٍ يُرَبَّى فِي أَمْكِنَةٍ لَا تَشْبِهُهُ ثُمَّ يُنْزَعُ مِنْهَا لِيَعُودَ إِلَى أَصْلِهِ. كُلُّ قَلْبٍ يُكْسَرُ وَيُعَادُ بِنَاؤُهُ لِيَصِيرَ صَالِحًا لِحَمْلِ النُّورِ الثَّقِيلِ. وَأَنَّ الْعَبْدَ الصَّالِحَ لَيْسَ شَخْصًا خَارِجِيًّا دَائِمًا.

فِي الْخِتَامِ، يَبْقَى طَارِقٌ وَالْعِرَافُ رَحْلَةً فِي أَعْمَاقِ الْفَلْسَفَةِ، حَيْثُ الْمَوْتِ لَيْسَ سِوَى بَابٍ إِلَى الْخُلُودِ. واخْتَفَى الْعِرَافُ وَطَارِقٌ، لَكِنْ كَلِمَاتُهُمَا بَقِيَتْ تَتَرَدَّدُ فِي الْأَزِقَّةِ، تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ بَدَايَةً لِجَسْرٍ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَالْحُرِيَّةِ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى