مقالات

لا تمنح أدوار البطولة لكومبارس

بقلم الكاتبة الصحفية / شيرين عصام

في زمنٍ تتوالى فيه الصدمات النفسية، وتتكدس الخيبات كأعباءٍ ثقيلة على الروح، يصبح لزامًا علينا أن نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع الأشخاص من حولنا. لقد بالغنا كثيرًا في تقدير من لا يستحق، وأفرطنا في التواضع والتسامح بلا حدود، حتى اختلطت الأدوار، وتقدّم الكومبارس ليتصدر المشهد، بينما تراجع أصحاب القيمة الحقيقية إلى الصفوف الخلفية.

المشكلة ليست في الطيبة، فالطيبة فضيلة لا خلاف عليها، لكنها حين تُمنح بلا وعي، تتحول من قيمة أخلاقية إلى ثغرة ينفذ منها المستغلون. الطيب لا يُكافأ دائمًا، بل غالبًا ما يُساء فهمه، ويُعامل كرمه على أنه حق مكتسب، لا فضل فيه ولا جميل. وهنا تكمن المأساة: أن يتحول العطاء إلى التزام مفروض، وأن يُقابل الإخلاص بالجحود، والنية الحسنة بالتجريح.

لقد آن الأوان أن نتوقف. أن نلتقط أنفاسنا، ونُعمل عقولنا قبل قلوبنا. أن نعطي كل ذي حق حقه، لا أكثر ولا أقل. فالمبالغة في تقدير الأشخاص ليست رحمة، بل ظلم للذات، وإهدار للطاقة، وتشويه للميزان العادل للعلاقات الإنسانية. ليس كل من اقترب يستحق القرب، وليس كل من ابتسم يستحق الثقة، وليس كل من تحدث كثيرًا يستحق أن يُمنح دور البطولة في حياتنا.

التريث فضيلة، والتركيز في المواقف ضرورة. فالمواقف وحدها كفيلة بكشف المعادن الحقيقية، وبفضح من يرتدون أقنعة الامتنان وهم يخفون أنياب الاستغلال. هناك من لا يرى في كرمك إلا فرصة، ولا يقرأ في صمتك إلا ضعفًا، ولا يفسر تسامحك إلا على أنه قابلية للسحل المعنوي دون شفقة.

الإنسان الطيب اليوم أصبح فريسة سهلة لعديمي التمييز، أولئك الذين لا يفرقون بين القيمة الحقيقية والفراغ، ولا يعرفون معنى الوفاء، بل يجيدون فقط فن الاستنزاف. وهنا لا بد من وقفة حاسمة: الطيبة لا تعني أن تكون بلا حدود، والرحمة لا تعني أن تتخلى عن كرامتك، والتسامح لا يعني أن تسمح بتكرار الأذى.

لا تمنح أدوار البطولة لكومبارس، فالحياة ليست مسرحًا عبثيًا، وأنت لست مطالبًا بإنقاذ الجميع على حساب نفسك. احتفظ ببطولتك، وامنحها لمن يستحقها فعلًا… لمن يقدّر، ويحترم، ويبادل العطاء بعطاء، لا بالجحود ولا بالسحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى