القانون الدولي في غرفة الإنعاش الطاعة أو السقوط: رسالة واشنطن للعالم

بقلم الإعلامية نور صبحي
ما جرى – إن صحّ – ليس حدثًا عابرًا في سجل السياسة الدولية، بل زلزالًا حقيقيًا يضرب مفهوم السيادة والدولة الوطنية في الصميم. الإعلان عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من داخل القصر الجمهوري، ونقله هو وزوجته إلى خارج البلاد، يمثّل سابقة خطيرة تفتح بابًا مرعبًا على مستقبل النظام الدولي برمّته.
لم يحدث في التاريخ الحديث، إلا في حالات نادرة، أن تقوم دولة بالهجوم المباشر على دولة أخرى، وتنجح خلال أقل من ساعة في خطف رئيسها المنتخب ونقله خارج حدود بلاده. النموذج الأقرب لذلك هو ما فعلته الولايات المتحدة بالرئيس البنمي مانويل نورييغا في ديسمبر 1989، حين نُفذت عملية عسكرية خاطفة انتهت باعتقاله ومحاكمته في واشنطن. واليوم، يبدو المشهد وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بوتيرة أسرع وجرأة غير مسبوقة.
اللافت في هذا السيناريو هو الانهيار شبه الكامل لشبكات الدفاع الفنزويلية خلال دقائق، ما يطرح أسئلة خطيرة حول حجم الاختراق الداخلي، واحتمالات الخيانة المحلية. تحليق مروحيات أجنبية على ارتفاع منخفض فوق القصر الجمهوري في ميرافلوريس دون مقاومة حقيقية، لا يمكن تفسيره إلا بوجود تواطؤ من داخل النظام نفسه، أو شلل كامل للدولة تحت ضغط حصار كاسح جوًا وبحرًا.
وتتفاقم خطورة المشهد مع ما أُعلن لاحقًا عن أسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، إلى جانب اعتقال وزير الدفاع الفنزويلي، في سابقة غير مسبوقة تمس قلب الدولة ومؤسساتها السيادية. وقد خرج وزير الدفاع الفنزويلي في بيان عاجل أكد فيه أن الحكومة الأميركية نفذت عملية عسكرية إجرامية ضد دولة ذات سيادة، مشددًا على أن فنزويلا لن ترضخ لهذا العدوان، وأن ما جرى ليس عملية أمنية كما يُروَّج لها، بل اعتداء مكتمل الأركان.
في المقابل، سارعت عدة دول كبرى إلى النأي بنفسها عن الحدث، حيث أعلنت بريطانيا وروسيا وإيران أن ما حدث لا علاقة لها به، بينما عبّرت دول أوروبية عن قلق بالغ إزاء التطورات الخطيرة. هذا التبرؤ المتسارع والقلق الخجول لا يعكسان موقفًا أخلاقيًا بقدر ما يكشفان ارتباك المجتمع الدولي، وعجزه عن حماية أبسط قواعد القانون الدولي وسيادة الدول.
هذه ليست “ديمقراطية” كما يتم تسويقها، بل منطق القوة العارية. فالتاريخ القريب يثبت أن الولايات المتحدة لا تعادي الديكتاتوريات ولا الفساد ولا حتى الجرائم، طالما أن الأنظمة خاضعة لإرادتها. لكن اللحظة التي يقرر فيها أي رئيس – منتخبًا كان أو غير ذلك – أن يخرج عن هذا الخط، يصبح هدفًا مشروعًا للإقصاء أو الاعتقال أو الإطاحة.
ويبقى السؤال الأخطر حاضرًا بقوة:
هل ما جرى مجرد عملية سياسية، أم خطوة مدروسة للسيطرة على النفط الفنزويلي؟
ففنزويلا تمتلك واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وكانت لعقود هدفًا مباشرًا للصراع الجيوسياسي. وعندما تتزامن العمليات العسكرية مع إسقاط القيادة السياسية وشلّ مؤسسات الدولة، يصبح من الصعب فصل ما يحدث عن منطق السطو على الثروات تحت غطاء “النظام العالمي”.
الأخطر من الحدث نفسه هو الرسالة التي يحملها: لا حصانة لرئيس دولة، ولا معنى للسيادة، ولا قيمة حقيقية للقانون الدولي إذا تعارض مع مصالح القوة العظمى. رئيس كان يمارس مهامه قبل ساعات، نجا سابقًا من محاولات اغتيال وانقلابات، يتحول في لحظة إلى أسير أجنبي.
هذا المشهد يجب أن يُخيف العالم… بل يجب أن يُرعبه. لأن ما انهار خلال ساعة في فنزويلا، يمكن أن ينهار في أي دولة أخرى غدًا. حين تُحاصر دولة جوًا وبحرًا، وتُشل مؤسساتها، ويُختطف رئيسها من قصره، فنحن لا نتحدث عن أزمة سياسية، بل عن سطو دولي مكتمل الأركان على دولة ذات سيادة، فقط لأنها تجرأت على رفض الخضوع.
إنه عالم تُدار فيه السياسة بمنطق القوة لا القانون، ومن لا يدرك هذه الحقيقة اليوم، قد يكون التالي غدًا.



