مقالات

“أفواه وأرانب”… حين يتحول الفن إلى درس أخلاقى فى العطاء والتضحية

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام

ليست كل الأفلام تُشاهد من أجل الترفيه، فهناك أعمال فنية تُشبه المرايا، تعكس لنا وجوهًا من واقعنا الإنسانى، وتضعنا أمام أسئلة أخلاقية لا تُنسى. وفيلم «أفواه وأرانب» واحد من تلك الأعمال الخالدة التى تجاوزت زمنها، ليظل درسًا مفتوحًا فى العطاء، والتضحية، ونُبل الروح، رغم القسوة والغدر.

يحكى الفيلم عن أختين من لحم ودم، جمعتهما الظروف وفرّقتهما الطباع؛
إحداهما أنانية لا ترى إلا نفسها، تُحمّل الآخرين أعباء اختياراتها، ولا تعرف من الحياة إلا الأخذ.

والأخرى نعمة… اسم على مسمّى، امرأة تحمل فوق كتفيها همّ أسرة كاملة، تُنفق من روحها قبل مالها، وتُربّى وتُضحّى وتصبر، بلا شكوى، وبلا انتظار مقابل.

ورغم ما تتعرض له نعمة من غدر وخيانة، سواء من أقرب الناس إليها أو من الواقع القاسى، فإنها لا تفقد إنسانيتها، ولا تنزلق إلى مستنقع التشويه أو الانتقام، بل تظل ثابتة على مبدأ أصيل: الستر، وحفظ الكرامة، وحُسن القول.

واحدة من أعمق لحظات الفيلم، وأكثرها صدقًا، هى كلمات نعمة عن زوج أختها، ذلك الرجل المهمل، الخمورجى، الذى لم يقم بواجباته، ومع ذلك تقول عنه للبطل الذى يجسده محمود ياسين:

«محترم وأخلاق».
هذه الجملة، البسيطة فى ظاهرها، تحمل درسًا تربويًا وأخلاقيًا بالغ العمق.
لم تكن نعمة تُجمّل القبح، ولا تُبرر الخطأ، لكنها كانت تُرسّخ مبدأ راقيًا:
أن الفتاة مهما بلغت خلافاتها الأسرية، ومهما قست ظروفها، لا يصح أن تُهين أهلها أو تُسقِطهم فى عين شريك حياتها.

فالأهل – مهما كانت عيوبهم – هم السند والدعم والجذور، وتشويه صورتهم أمام الزوج أو الحبيب لا يُكسب تعاطفًا، بل يُسقِط هيبة، ويهدم أمانًا، ويُمهّد لاستخفاف قد يمتد إليها هى نفسها.

«أفواه وأرانب» لا يُقدّم بطلة مثالية من ورق، بل امرأة حقيقية، تنزف وتضحك، تتألم وتتحمل، لكنها تختار دائمًا الطريق الأصعب: طريق القيم.

الفيلم يُعيد تعريف القوة، فالقوة ليست فى الصراخ ولا فى الفضيحة، بل فى الصبر النبيل، والكلمة المحترمة، والعطاء الذى لا ينتظر تصفيقًا.

ولهذا، سيظل «أفواه وأرانب» عملًا فنيًا عظيمًا، ليس فقط لأنه ناقش الفقر وكثرة الأفواه وقسوة الواقع، بل لأنه قدّم درسًا إنسانيًا خالدًا:
أن العطاء الحقيقى لا يُفسده الغدر،
وأن الأخلاق لا تتغير بتغير الظروف،
وأن المرأة القوية هى التى ترفع من شأن أهلها، حتى وهى أكثرهم ألمًا.
فيلم يُشاهد بالقلب قبل العين… ويظل حيًا ما دامت القيم باقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى