العدل قبل الانتقام… كيف قرر الإسلام مبدأ التعويض وجبر الضرر؟

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
حين نتأمل أحكام الشريعة الإسلامية نجد أنها لم تُبنَ فقط على العبادات، بل على إقامة العدل بين الناس وصيانة الحقوق ومنع الظلم. ومن أعظم المبادئ التي قررها الإسلام منذ قرون طويلة مبدأ التعويض عن الضرر، وهو مبدأ حضاري سبق به الإسلام كثيراً من القوانين الحديثة التي تتحدث اليوم عن التعويض المدني وجبر الأذى.
وقد أوضح الشيخ آدم فتحي في إجابته الشرعية أن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مليئة بالأدلة التي تؤكد مشروعية التعويض عن الأضرار، وأن الشريعة لم تترك حقوق الناس عرضة للضياع، بل وضعت قواعد دقيقة تحفظ الأموال والحقوق.
ميزان العدل في القرآن الكريم.
جاءت آيات عديدة في القرآن تؤكد هذا المبدأ العظيم، حيث يقول الله تعالى:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾،
كما يقول سبحانه:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
هذه الآيات لا تدعو إلى الانتقام، بل تقرر قاعدة العدل؛ فلا يُظلم المعتدى عليه، ولا يُسمح بتجاوز الحد في رد الظلم. ولذلك قال تعالى أيضاً:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
فالشريعة هنا تفتح بابين:
باب العدل بالتعويض، وباب الفضل بالعفو.
اجتهاد العلماء في فهم النصوص
لم يترك العلماء هذه الآيات دون بيان، بل أكدوا أنها أصل في مشروعية التعويض. فقد أشار الإمام محمد بن جرير الطبري إلى رواية عن محمد بن سيرين يقول فيها:
“إن أخذ منك رجل شيئاً فخذ منه مثله”.
كما أكد الإمام محمد بن أحمد القرطبي أن أخذ العوض جائز، خاصة إذا حكم به القاضي، وهو ما يعكس فهم الفقهاء لروح العدالة في الشريعة.
قصة قرآنية تؤسس لقاعدة التعويض
ومن أجمل الأمثلة التي ذكرها القرآن قصة الحكم بين نبيين كريمين: داود و سليمان.
فقد دخلت غنم قومٍ ليلاً في زرع رجل وأفسدته، فاحتكموا إلى النبي داود عليه السلام، فقضى بأن تُعطى الغنم لصاحب الزرع تعويضاً عن خسارته.
لكن سليمان عليه السلام اقترح حلاً أكثر توازناً؛ حيث يأخذ صاحب الزرع الغنم لينتفع بلبنها وصوفها مؤقتاً، بينما يتولى صاحب الغنم إصلاح الزرع حتى يعود كما كان، ثم يعود كل مالٍ إلى صاحبه.
إنها قصة قرآنية بديعة تؤكد أن التعويض ليس مجرد عقوبة، بل وسيلة لتحقيق العدالة وإصلاح الضرر.
السنة النبوية تؤكد القاعدة
ولم تقف الأدلة عند القرآن فقط، بل جاءت السنة النبوية تؤكد هذا المبدأ.
فعندما كسرت السيدة عائشة بنت أبي بكر إناءً كانت فيه طعام أرسلته إحدى زوجات النبي، حكم محمد بقاعدة واضحة وبسيطة:
“إناء بإناء، وطعام بطعام”.
إنه حكم نبوي مختصر يلخص مبدأ العدالة في التعويض: المثل بالمثل دون ظلم أو زيادة.
كما قضى النبي أيضاً في قضية ناقة الصحابي البراء بن عازب حين دخلت حائطاً وأفسدت زرعاً، بأن ما تفسده المواشي ليلاً يكون ضمانه على أصحابها، أي أنهم ملزمون بالتعويض.
قواعد فقهية تحفظ أموال الناس
بناءً على هذه النصوص، وضع الفقهاء قواعد عظيمة لحماية الحقوق، من أهمها:
الضرر يزال.
الضرر لا يزال بالضرر.
من أتلف شيئاً لغيره فهو له ضامن.
هذه القواعد أصبحت فيما بعد أساساً لكثير من القوانين المدنية الحديثة في العالم، وهو ما يثبت أن الشريعة الإسلامية سبقت الأنظمة القانونية في إرساء مبدأ جبر الضرر وتعويض المتضرر.
رسالة الشريعة: العدل قبل كل شيء
إن جوهر الشريعة الإسلامية هو إقامة العدل بين الناس، فلا يُترك المظلوم بلا حق، ولا يُسمح بالاعتداء على أموال الآخرين.
والتعويض في الإسلام ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو حماية للمجتمع من الفوضى والعدوان، وضمان لعودة الحقوق إلى أصحابها، وترسيخ لقيمة المسؤولية الفردية.
وهكذا يثبت الإسلام مرة أخرى أنه دين العدل والميزان؛ دين يحفظ الحقوق، ويجبر الخواطر، ويقيم المجتمع على قاعدة واضحة:
لا ظلم… ولا ضياع لحق.



