الكاتب الصحفي العارف بالله طلعت يكتب.. أزمة الرهائن والحروب بين أمريكا وإيران !!

مرت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي بفترات من المد والجزر، وظل البلدان لفترة طويلة حليفين على خلفية مصالح عسكرية ونفطية قبل أن تعصف الثورة الإسلامية عام 1979 بذلك التحالف.
إيران شكلت معضلة للرؤساء الأمريكيين على مدى 75 عاما تقريبا، من أهم عناوينها أزمة الرهائن والحروب في المنطقة وصولا إلى الملف النووي الإيراني.
وفى عام 1953 أطاحت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق وذلك على خلفية أطماع في النفط الإيراني وتحت ذريعة أنه أصبح يميل للتقارب مع المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي آنذاك.
وفى عام 1953 – 1979 فتح الانقلاب على محمد مصدق الباب أمام الشاه محمد رضا بهلوي، لتولي قيادة البلاد وتدشين علاقة بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية مصالح مشتركة في مجال التسلح والنفط.
وفى عام 1979 أطاحت الثورة الإسلامية التي قادها آية الله روح الله الخميني بنظام الشاه وعصفت بالنفوذ الأمريكي في إيران. وبعد نحو 10 أشهر من الثورة، اقتحم آلاف الطلاب الإيرانيين السفارة الأمريكية واحتجزوا العشرات رهائن، بمن فيهم السفير الأمريكي.
وفى عام 1980 قادت إدارة الرئيس جيمي كارتر محاولة لتحرير الرهائن لكنها باءت بالفشل وأسفرت عن مقتل 8 جنود أمريكيين، وجراء ذلك الإخفاق خسر الرئيس كارتر الانتخابات الرئاسية بفارق كبير أمام خصمه الجمهوري رونالد ريغان
وفى عام 1981 أطلقت السلطات الإيرانية سراح الرهائن الأمريكيين الـ52 مباشرة بعد تنصيب رونالد ريغان رئيسا للولايات المتحدة.
وفى عام 1983 مقتل 241 جنديا أمريكيا في هجوم منسوب إلى وكلاء إيرانيين على ثكنة عسكرية أمريكية في العاصمة اللبنانية بيروت، وهو أكبر عدد من القتلى في يوم واحد للقوات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
وفى عام 1981 – 1986 انكشاف ما يعرف بفضيحة إيران-كونترا، والتي تورط فيها الرئيس ريغان، حيث باع سرا صواريخ مضادة للدبابات والطائرات لطهران في محاولة لتحرير رهائن محتجزين لدى حزب الله في لبنان. ووُجّهت عائدات البيع إلى المقاتلين المناهضين للشيوعية في نيكاراغوا.
وفى عام 1989 خلال ولاية الرئيس جورج بوش الأب، أثارت إيران قلق الغرب بإصدار الخميني لفتوى تهدر دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب رواية “آيات شيطانية”.
وفى عام 1995 فرض الرئيس بيل كلينتون عقوبات اقتصادية على إيران، وأصدر أمرا تنفيذيا يحظر على الولايات المتحدة استغلال مواردها النفطية هناك، وذلك في إطار “العقوبات الثانوية” على الشركات غير الأمريكية لتعاملها مع النظام الإيراني، وهو ما أثار غضب أوروبا.
وفى عام 2002 وصف الرئيس جورج دبليو بوش إيران بأنها جزء من “محور الشر”، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية. وبدأ الحديث عن بوادر برنامج نووي إيراني مما أضاف بعدا جديدا للمخاوف الأمريكية بشأن إيران.
وفى عام 2009 سارعت إدارة الرئيس باراك أوباما إلى تنفيذ هجوم إلكتروني لتدمير البرنامج النووي الإيراني. كما استهدف أوباما صادرات النفط الإيرانية بعقوبات اقتصادية متزايدة القوة، مما أدى لاضطرابات شعبية وحملات قمع.
وفى عام 2015 وافقت إيران على الاتفاق النووي الذي طرحته إدارة الرئيس أوباما، وألزمها بتفكيك البنية التحتية النووية والسماح بعمليات تفتيش الأسلحة مقابل إفراج واشنطن عن نحو 100 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة.
وفى عام 2018 أعلن الرئيس دونالد ترمب تخلي بلاده عن الاتفاق النووي الإيراني، وسعى إلى حظر جميع صادرات النفط الإيرانية، في محاولة لسحق الاقتصاد.
وفى عام 2020 أمر الرئيس ترمب بتنفيذ عملية عسكرية في بغداد أسفرت عن مقتل اللواء قاسم سليماني، أقوى قائد عسكري إيراني منذ ثورة 1979، ومهندس عملياتها السرية في أنحاء الشرق الأوسط.
وفى عام 2023 سارعت إدارة الرئيس جو بايدن إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الشرق الأوسط دعما لإسرائيل، بعد عملية طوفان الأقصى وللتصدي لهجمات شنتها جماعات مدعومة من إيران على أهداف أمريكية في العراق وسوريا.
وفى عام 2025 بعد فوزه بولاية ثانية، أيد الرئيس ترمب الهجمات الإسرائيلية على “حلفاء إيران” في غزة ولبنان وسوريا واليمن، وقاد لاحقا غارات جوية قوية بطائرات “بي-2” الشبحية على 3 منشآت نووية إيرانية تحت الأرض، وقال إن القدرات النووية الإيرانية قد دُمرت.
وفى عام 2026 شن الرئيس ترمب إلى جانب إسرائيل، هجوما جديدا على إيران، وأعلن في اليوم الأول لتلك الحملة عن مقتل المرشد علي خامنئي،وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين.
وقد شكل الهجوم على إيران خروجا عن نهج الولايات المتحدة الذي استمر لعقود، والذي كان يميل إلى التريث في شن هجوم شامل للإطاحة بنظام دولة يزيد عدد سكانها عن 90 مليون نسمة.
كما مثل تحولا جذريا عن التدخلات العسكرية السابقة لترامب، وترامب سيتحمل مخاطر رهانه الذي وضعه والولايات المتحدة تسعى إلى تدمير القدرات الصاروخية الباليستية والبحرية لإيران، وتدمير قدرتها على تطوير أسلحة نووية، وإيقاف دعمها لأذرعها من الجماعات والمليشيات المسلحة في المنطقة
والنظام الإيراني بات اليوم على يقين بوجود مخطط لتقسيم إيران جغرافيا وسياسيا وزرع بذور الفتنة على الأطراف واستنزاف النظام داخليا، وهو ما يثيره ويجعله يضرب على كل الجبهات.
مصر كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لما للحروب من آثار مدمرة على الشعوب ومقدراتها.
ومصر تواصل جهود الوساطة المخلصة والأمينة من أجل وقف الحرب، واستمرارها ستكون له ضريبة كبيرة على المنطقة والحروب
ومصر واجهت خلال السنوات الماضية العديد من التحديات والظروف الصعبة، لكنها تعاملت معها بالصبر والحكمة.
وكانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيدا من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب.
ومصر لا تزال تحاول القيام بجهود وساطة مخلصة وأمينة لوقف الحرب لأن استمرارها ستكون له ضريبة.




