سورة يوسف… لماذا وصفها الله بـ أحسن القصص؟

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
قال الله تعالى:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾
سورة يوسف – الآية 3
ليست سورة يوسف مجرد حكاية تُروى، بل رحلة إنسانية كاملة، تتقاطع فيها المشاعر مع الإيمان، وتتشابك فيها الابتلاءات مع الحكمة الإلهية، حتى استحقت أن يصفها الله عز وجل بـ أحسن القصص.
قصة واحدة… كاملة بلا تقطيع
الميزة الأولى التي تفرّدَت بها سورة يوسف عن غيرها، أنها جاءت قصة متكاملة من البداية إلى النهاية في سورة واحدة، على عكس بقية قصص القرآن التي توزعت أحداثها على سور متعددة.
وهذا في حد ذاته جمال سردي فريد، يجعل القارئ يعيش القصة كأنها مشهد متصل، لا انقطاع فيه ولا تشتيت.
أحسن القصص لأنها تحكي عن النفس البشرية
في سورة يوسف نرى الإنسان بكل حالاته:
حسد الإخوة: عندما يعمي الحقد القلوب، حتى أقرب الناس.
حزن الأب: يعقوب عليه السلام، نموذج الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلا لله.
فتنة الشهوة: يوسف الشاب، والمرأة ذات السلطة والجمال.
ظلم السجن: حين يُكافأ الإحسان بالإيذاء.
العفو عند المقدرة: ذروة الأخلاق حين قال يوسف لإخوته:
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾.
إنها قصة تمس كل إنسان، لأننا جميعًا مررنا أو سنمر ببعض فصولها.
من الجُبّ إلى العرش… دون أن يتغير القلب
أجمل ما في سورة يوسف أن البطل لم يتغير:
في البئر كان مؤمنًا.
في القصر كان عفيفًا.
في السجن كان داعية.
وعلى عرش مصر كان متواضعًا.
فالرسالة واضحة:
الظروف لا تُفسد القلوب الصافية، بل تكشف معدنها الحقيقي.
لماذا هي أحسن القصص؟
لأنها:
تجمع بين الابتلاء والتمكين.
تشرح معنى “إن مع العسر يسرا” عمليًا لا نظريًا.
تعلّمنا أن تأخير الفرج ليس حرمانًا، بل إعدادًا.
تؤكد أن الله يدبّر الأمر من حيث لا نرى، وأن ما نظنه شرًا قد يكون عين الخير.
قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
رسالة السورة لكل موجوع
سورة يوسف خُصصت لكل من:
ظُلم فصبر.
فُقد عزيز فحزن.
تأخر حلمه فظن أن الله نسيه.
عاش سنوات في “سجن الانتظار”.
فتأتي السورة لتقول له بهدوء مطمئن:
اصبر… فالنهاية لا تُشبه البداية أبدًا.
سورة يوسف ليست قصة نبي فقط، بل مرآة لحياتنا، ودواء للقلوب المنكسرة، ودليل يقين بأن الله إذا كتب لك أمرًا، سيسوقه إليك ولو بعد حين، ولو عبر طرق مؤلمة.
ولهذا كانت — وستظل —
أحسن القصص.




