مقالات

الحِكْمَةُ.. بقلم الأديب المصرى د. طارق رضوان جمعة

لَمَّا طَلَبْتُ الحِكْمَةَ… جَاءَتْنِي عَلَى هَيْئَةِ ابْتِلَاءٍ… بِقَلَمٍ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَصْمُتُ لِيَفْهَم أكتب.
لَمْ أَكُنْ أَدْرِي — وَأَنَا أَرْفَعُ كَفَّيَّ إِلَى السَّمَاءِ — أَنَّ الحِكْمَةَ لَا تُعْطَى كَهِبَةٍ سَهْلَةٍ، بَلْ تُصَاغُ فِي أَفْرَانِ الاِبْتِلَاءِ. طَلَبْتُهَا بِبَسَاطَةِ الدُّعَاءِ، فَأَجَابَنِي اللهُ بِتَعْقِيدِ الأَيَّامِ. وَمَا بَيْنَ الطَّلَبِ وَالإِجَابَةِ، وُلِدَ سُؤَالٌ يُرْبِكُ الرُّوحَ: أَهَذَا عَطَاءٌ أَمِ امْتِحَان؟

لَكِنَّ الحِكْمَةَ — فِي جَوْهَرِهَا — لَيْسَتْ مَعْرِفَةً نُحِيطُ بِهَا، بَلْ نُضْجًا يُعِيدُ تَشْكِيلَنَا. إِنَّهَا لَا تَنْزِلُ عَلَى قَلْبٍ مُسْتَرِيحٍ، بَلْ تُنْقَشُ فِي قَلْبٍ اهْتَزَّ، ثُمَّ ثَبَتَ.

بَيْنَ الشَّكْوَى وَالأَدَبِ مَعَ الله
حِينَ تَثْقُلُ الأَوْجَاعُ، يَمِيلُ الإِنْسَانُ إِلَى الشَّكْوَى، فَهِيَ غَرِيزَةُ الضَّعْفِ فِينَا.
لَكِنَّ ثَمَّةَ فَرْقًا دَقِيقًا بَيْنَ أَنْ تَشْكُوَ إِلَى الله، وَأَنْ تَشْكُوَ اللهَ إِلَى العِبَاد.
الأُولَى عِبَادَةٌ، وَالثَّانِيَةُ غَفْلَةٌ.

وَقَدْ جَاءَ فِي القُرْآنِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّ اللهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[يُوسُف: ٨٦]
فَلَمْ يَكُنْ صَمْتُهُ إِنْكَارًا لِلأَلَمِ، بَلْ تَوْجِيهًا لَهُ. لَمْ يُنْكِرِ الحُزْنَ، وَلَكِنَّهُ رَفَضَ أَنْ يُبَذِّرَهُ فِي مَسَامِعِ النَّاسِ.
حِينَ يَبْلُغُ الأَلَمُ ذِرْوَتَهُ… تَبْدَأُ الحِكْمَةُ.

وَفِي قِصَّةِ نَبِيِّ اللهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَرَى صُورَةً أَعْمَقَ لِلأَدَبِ مَعَ اللهِ. فَقَدْ قَالَ — بَعْدَ أَنْ طَالَ بِهِ البَلَاءُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٨٣]
لَمْ يَقُلْ: لِمَاذَا يَا رَبِّ؟ وَلَمْ يَعْتَرِضْ، بَلْ عَرَضَ حَالَهُ بِأَدَبٍ، وَخَتَمَهُ بِثَنَاءٍ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أَتَأَلَّمُ… وَلَكِنِّي أَثِقُ.

الحِكْمَةُ لَيْسَتْ فِي غِيَابِ الأَلَم… بَلْ فِي فَهْمِهِ. إِنَّ مَنْ يَطْلُبُ الحِكْمَةَ، كَمَنْ يَطْلُبُ أَنْ يُبْصِرَ مَا وَرَاءَ الظَّاهِرِ.

وَهَذَا لَا يَحْدُثُ إِلَّا إِذَا تَكَسَّرَتِ القِشْرَةُ الأُولَى لِلأَشْيَاءِ. فَالأَلَمُ لَيْسَ نَقِيضَ الحِكْمَةِ… بَلْ بَابُهَا.
وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الأَثَرِ:
“إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ”
لِأَنَّ الاِبْتِلَاءَ لَيْسَ عُقُوبَةً دَائِمًا، بَلْ تَرْبِيَةٌ خَفِيَّةٌ.
وَحِينَ تُرِيدُ أَنْ تَشْكُو… تَذَكَّرْ
تَذَكَّرْ أَنَّ الشَّكْوَى لَيْسَتْ ضَعْفًا فِي ذَاتِهَا، وَلَكِنَّ وِجْهَتَهَا هِيَ الَّتِي تُحَدِّدُ قِيمَتَهَا.
إِنْ شَكَوْتَ إِلَى الله، فَقَدِ ارْتَفَعْتَ.

وَإِنْ شَكَوْتَ اللهَ إِلَى النَّاسِ، فَقَدْ أَفْشَيْتَ سِرَّ العُبُودِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
لَيْسَ فِي الصَّمْتِ كَبْتٌ دَائِمًا، بَلْ فِيهِ أَحْيَانًا تَعْظِيمٌ. وَلَيْسَ فِي البَوْحِ رَاحَةٌ دَائِمًا، بَلْ فِيهِ أَحْيَانًا تَبْدِيدٌ.

خَاتِمَةٌ: حِينَ تُصْبِحُ الحِكْمَةُ حَالًا لَا مَقَالًا لَعَلَّ أَجْمَلَ مَا فِي الحِكْمَةِ أَنَّهَا تُغَيِّرُ طَرِيقَةَ شُعُورِنَا، لَا وَاقِعَنَا فَقَطْ.
فَنَحْنُ لَا نَتَخَلَّصُ مِنَ البَلَاءِ دَائِمًا… وَلَكِنَّنَا نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نَمُرُّ مِنْهُ بِقَلْبٍ أَكْبَر.
وَحِينَ يَأْتِيكَ هَوَى الشَّكْوَى، فَتَوَقَّفْ لَحْظَةً… وَاسْأَلْ نَفْسَكَ:
أَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَفِّفَ أَلَمِي… أَمْ أَنْ أَرْتَقِي بِهِ؟
فَإِنِ اخْتَرْتَ الأُولَى، وَجَدْتَ النَّاسَ.
وَإِنِ اخْتَرْتَ الثَّانِيَةَ… وَجَدْتَ الله.
وَهُنَاكَ، فَقَطْ…

تَبْدَأُ الحِكْمَةُ الَّتِي طَلَبْتَهَا يَوْمًا، وَلَمْ تَعْرِفْ أَنَّهَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهَا إِلَيْكَ… عَلَى هَيْئَةِ ابْتِلَاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى