مقالات

يومٌ بلا حُبّ… يومٌ خارج العُمر بِقَلَمِ الأَدِيبِ د. طَارِق رِضْوَان جُمُعَة

أكتبُ عن الحُبَّ…فتتقدّمُ إليَّ الظنونُ قبلَ أن تصلَ كلماتي، وتُرفعُ في وجهي لافتةٌ واحدة: “ها هو ذا… يعيشُ خِبًّا جديدًا!”
ولا أُنكر…لكنني أبتسمُ من ضيقِ المعنى، من ذلك القفصِ الذي حبسوا فيه الحُبَّ، وجعلوهُ حكايةً بينَ ذَكَرٍ وأُنثى فقط،
كأنَّ القلبَ خُلقَ لوجهٍ واحد،
وليسَ لكونٍ كاملٍ من الأوجهِ والأنفاس.

أنا—يا سادتي—أُحبُّ… نعم،
لكنني لا أُحبُّ كما تظنّون.
أُحبُّ صباحي حينَ يُصافحُ قهوتي، وأُحبُّ طريقي إلى العمل كأنَّهُ موعدٌ سريٌّ بيني وبينَ الحياة، أُحبُّ زميلاً يبتسمُ دونَ سبب، وصديقًا يُرمّمُ ما تكسّرَ في داخلي دونَ أن يدري، أُحبُّ سيارتي حينَ تُقلّني كأنها تعرفُ أنني هاربٌ من شيءٍ ما، وأُحبُّ كائناً أليفًا يمنحني قلبهُ بلا شروطٍ ولا أسئلة.

فأيُّ خِبٍّ هذا الذي يتّسعُ لكلِّ هذه الأشياء؟! إنني أؤمنُ—ببساطةٍ موجعة—
أنَّ اليومَ الذي لا نجدُ فيه ما نُحب، هو يومٌ لا يُحسبُ من أعمارنا، يومٌ سقطَ من دفترِ الحياةِ كما تسقطُ ورقةٌ جافّة
لا ظلَّ لها ولا خُضرة.

الحُبُّ ليسَ رفاهية، بل هو البوصلةُ الوحيدة التي تُشيرُ إلى أننا ما زلنا أحياء.
فكيفَ… لإنسانٍ يسبحُ في نعمٍ لا تُحصى، أن يعجزَ عن العثورِ على شيءٍ واحدٍ
يُحبّه؟! أليسَ في ذلكَ جحودٌ صامت؟ أو عمىً يتخفّى في هيئةِ اعتياد للنعم؟
أنا لا أكتبُ لأنني في خِبّ،

بل لأنني في حياة…وأنا لا أبحثُ عن حُبٍّ جديد، بل أكتشفُ كلَّ يومٍ أنَّ الحُبَّ كان هنا دائمًا…لكننا كنّا نمرُّ بجانبهِ دونَ أن نلتفت.
نمرُّ…ونحسبُ أنَّ الدروبَ مجرّدُ طرقٍ إسفلتية، لا نرى فيها إلا زحامَ العابرين، ولا نسمعُ إلا ضجيجَ الوصول،
بينما كانت—في الخفاء—
تمدُّ لنا يدًا خفيّة تقول: “أحبّوني… لأقودكم.”
نمرُّ على التفاصيلِ الصغيرة
كأنها لا تستحقُّ التوقّف،
فنجفُّ…شيئًا فشيئًا، حتى نصيرَ كأيامٍ بلا ملامح،
تتشابهُ حتى التلاشي.
وأعجبُ…كيفَ يُطالبونني بدليلٍ على الحُبّ، كأنَّهُ جريمةٌ تحتاجُ إلى شاهد،
أو سرٌّ ينبغي أن يُفضَح!

يا أصدقائي— الحُبُّ ليسَ اعترافًا نُعلّقهُ في العلن، بل حالةٌ تسري فينا كالدّم،
إن توقّفت…توقّفنا. أنا لا أبحثُ عن مَن يُصدّقني،
ولا أُقنعُ أحدًا بأنني عاشق،
يكفيني أنني—كلَّ يوم—
أجدُ شيئًا واحدًا على الأقل
يجعلني أقول للحياة:
“شكرًا… لم تنتهِ الحكايةُ بعد.”
فإن رأيتموني أكتبُ… فلا تُسرعوا في تأويل الحكاية،
ولا تُضيّقوا المعنى على قلوبكم، دعوا الحُبَّ يتّسعُ كما خُلق، دعوهُ يخرجُ من بينِ الأيدي إلى كلِّ ما يلمسُ الروح.
وربما…لو جرّبتم ذلك يومًا،
ستكتشفون أنكم—أنتم أيضًا—كنتم تعيشون خِبًّا، لكنكم لم تسمّوهُ بعد.
وحينها فقط…لن تسألوا عن قصدي، بل ستكتبون… مثلي، وتبتسمون كلما اتُّهمتم
بأنكم تُحبّون.
وما زال في القلبِ متّسع
وتتعلّمون—رويدًا— أنَّ الحُبَّ لا يُقاسُ بضجيجِه،
بل بقدرِ ما يُعيدُ ترتيبَ الفوضى فينا، كيفَ يُهدّئُ ارتباكَنا دونَ أن ينطقَ بكلمة.
ستُدركون أنَّ الأشياءَ التي مررتم بها عابرين كانت تنتظرُكم، تُلوّحُ لكم منذ زمن،
لكنكم كنتم مشغولين
بفكرةٍ واحدةٍ عن الحُبّ…
ضيّقةٍ كنافذةٍ مغلقة.
وستندهشون… كيفَ أنَّ قلوبكم كانت قادرةً على الاتّساع لكلِّ هذا، لكنكم اخترتم الزاويةَ الأضيق،
واكتفيتم بها.
أنا لا أُحاربُ مفهومكم، ولا أُخطّئُه، أنا فقط أُضيفُ إليه
نوافذَ أخرى…لعلَّ النورَ يدخل.
فالحُبُّ—يا سادة— ليسَ أن تجدَ شخصًا واحدًا يُكملك،
بل أن تجدَ في كلِّ شيءٍ
ما يُوقظُك.
أن تُحبَّ لأنك حيّ، لا لأنَّ أحدًا حضر. أن ترى النعمة…
فتنحني لها بقلبك، لا بعينيك فقط.
وإن مرَّ يومٌ لم يخفقْ فيه قلبك لشيء، فلا تتّهمِ العالمَ بالقسوة، بل اسأل نفسك:
متى أصبحتَ لا ترى؟
أنا أكتبُ…لأُذكّر نفسي قبلكم، أنني إن فقدتُ دهشتي، فقدتُ حياتي،
وإن مرَّ يومٌ بلا حُبّ، فقد مرَّ بي…ولم أمرَّ به. فدعوا التُّهمَ جانبًا، ودعوني أحبّ… كما أشاء، دعوني ألتقطُ من العالم ما يُشبهني، وأتركُ ما لا يليقُ بقلبي.
وربما… في نهاية الطريق،
لن يُسألَ أحدُنا: “كم مرّةً أحببت؟”بل: “كم مرّةً عِشت؟” وحينها…لن يكونَ للحُبِّ تعريفٌ واحد، بل وجوهٌ كثيرة، كلُّ وجهٍ منها
كان سببًا في أن نبقى.
وربما— في لحظةِ صدقٍ لا يراها أحد— سنكتشفُ أنَّ الحُبَّ لم يكن ترفًا نُزيّنُ به أيامنا، بل كان طوقَ النجاة
الذي أبقانا فوقَ هذا العالم
حين كادَ بنا الغرق.
نعم… كنّا نظنُّ أننا نعيشُ بالقوّة، بالصبر، بالاعتياد،
لكن الحقيقةَ الأكثر هدوءًا
أننا كنّا نعيشُ بما نُحبّ.
ذلك الشيءُ الصغير الذي لا يراهُ أحد، ولا يُصفّقُ لهُ أحد،
لكنهُ—في داخلنا— كان يُعيدُ ترتيبَ أنفاسنا كلّما اختنقنا.
قد يكونُ كوبَ قهوةٍ في وقتٍ مُحدّد، أو صوتًا نعرفهُ
في زحامِ الأصوات، أو لحظةَ سكونٍ نسرقها من ضجيجِ الأيام، أو حتى ذكرى…
نُخبّئها كأنها كنزٌ لا يُرى. فلا تُقلّلوا من شأنِ ما تُحبّون، ولا تخجلوا من بساطته، فالعالمُ—رغمَ صخبه— لا يُقيمُ وزنهُ إلا بهذه التفاصيل.
أنا لا أكتبُ لأُقنعكم، بل لأُقاومَ ذلك الصوت الذي يُحاولُ أن يُجرّدَ الحُبَّ من معناه، أن يُعيدهُ إلى تعريفٍ واحد، إلى طريقٍ واحد، إلى وجهٍ واحد. وأنا—عنادًا بالحياة— أرفض.
أُصرُّ أن يكونَ الحُبُّ بعددِ دقّاتِ قلبي، وبعددِ ما أرى من نعمٍ حولي، وبعددِ ما أستطيعُ أن أقول له: “أنتَ سببٌ… لأن أبقى.”
فإن مررتَ بي يومًا ورأيتني أكتبُ عن شيءٍ بسيط، فلا تبتسم ابتسامةَ العارف، ولا تُصنّفني في حكايةٍ جاهزة، بل اسأل نفسك: “متى كانت آخرُ مرّةٍ أحببتُ فيها شيئًا بلا سبب؟”
لأن الإجابة—إن تأخّرت—
تعني أن شيئًا في داخلك
ينتظرُ أن يُنقذ.
وفي النهاية…لن يبقى لنا من هذه الحياة إلا ما أحببناه، ولا ما شهدناه، ولا ما امتلكناه…بل ما جعلنا—ولو لوهلة— نقولُ بصدق: “هنا… كنتُ حيًّا.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى