مقالات

أَنَا رَجُلُ الحُلُومِ النَّاقِصَةِ بِقَلَمِ اَلْأَدِيبِ د. طَارِقِ رِضْوَانَ جُمُعَةَ

أَيُّ قَدَرٍ هَذَا الَّذِي يَكْتُبُنِي دَائِمًا بِنِصْفِ الحُرُوفِ وَنِصْفِ الأَحْلَامِ؟ فَلَا أَنَا مِنَ المَحْرُومِينَ حَتَّى أَبْكِي بِلَا رَجَاءٍ، وَلَا أَنَا مِنَ المُكْتَمِلِينَ حَتَّى أَنَامَ عَلَى وَسَادَةِ الرِّضَا.
أَمْشِي فِي الحَيَاةِ كَمَنْ يَحْمِلُ كَأْسًا مَمْلُوءَةً إِلَى النِّصْفِ،
إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا قُلْتُ: مَا أَجْمَلَ العَطَاءَ! وَإِذَا تَأَمَّلْتُهَا طَوِيلًا قُلْتُ: مَا أَقْسَى الاكْتِفَاءَ بِنِصْفِ الأَشْيَاءِ!

لِمَاذَا يَا قَدَرُ تَجْعَلُنِي أُحِبُّ مَنْ لَيْسَ لِي؟ وَلِمَاذَا تُعَلِّقُ قَلْبِي بِنَجْمٍ لَا يَنْزِلُ إِلَى سَمَائِي؟ أَرَى النُّورَ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَكِنَّ يَدِي لَا تَبْلُغُهُ، وَأَسْمَعُ نَبْضَ الحُلْمِ، وَلَكِنَّ خُطَايَ لَا تَلْحَقُهُ. وَلِمَاذَا أَرْغَبُ فِي عَمَلٍ كَأَنَّهُ قِمَّةُ جَبَلٍ، أَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَكِنِّي لَا أَبْلُغُهُ؟
كَأَنَّ الحَيَاةَ تَقُولُ لِي: انْظُرْ… وَلَا تَمْتَلِكْ، احْلُمْ… وَلَا تَنَلْ،
اقْتَرِبْ… وَلَا تَصِلْ. أَأَنَا رَجُلُ نِصْفِ الحُظُوظِ؟ أَمْ أَنَّ الحِكْمَةَ تُخَبِّئُ لِي سِرًّا لَا أَرَاهُ؟ لَعَلَّ اللهَ ـ وَهُوَ أَعْلَمُ بِقُلُوبِنَا ـ يَغَارُ عَلَى قَلْبِ العَبْدِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، فَيَكْسِرُ بَعْضَ الأَحْلَامِ، لِكَيْ يَبْقَى الحُلْمُ الأَعْظَمُ هُوَ الله.

فَنُحِبُّ… فَلَا نَمْلِكُ، وَنَرْغَبُ… فَلَا نَبْلُغُ، لِكَيْ نَتَعَلَّمَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَانٍ، وَأَنَّ الوَاحِدَ الَّذِي لَا يَغِيبُ هُوَ الله. رُبَّمَا لَوْ أَعْطَانَا اللهُ كُلَّ مَا نُرِيدُ،
لَانْشَغَلَتْ قُلُوبُنَا بِالهَدَايَا عَنِ المُهْدِي، وَلَتَعَلَّقْنَا بِالدُّنْيَا حَتَّى نَنْسَى مَنْ خَلَقَ الدُّنْيَا.
فَيَكْتُبُ لَنَا نِصْفَ الفَرَحِ… لِكَيْ نَبْحَثَ عَنِ الفَرَحِ الكَامِلِ عِنْدَهُ، وَيَمْنَعُ عَنَّا بَعْضَ الأَشْيَاءِ… لِكَيْ لَا نَضِيعَ فِي كُلِّ الأَشْيَاءِ. وَعِنْدَمَا يَفْهَمُ القَلْبُ هَذَا السِّرَّ، يَكْتَشِفُ أَنَّ نِصْفَ الحَظِّ لَيْسَ نَقْصًا…

بَلْ رَحْمَةٌ مُقَنَّعَةٌ، وَأَنَّ كَسْرَ بَعْضِ الأَحْلَامِ لَيْسَ قَسْوَةً…
بَلْ رِعَايَةٌ خَفِيَّةٌ.
فَيَا رَبِّ…إِنْ كُنْتَ قَدْ كَتَبْتَ لِي نِصْفَ الحُظُوظِ فِي الدُّنْيَا، فَاكْتُبْ لِي كَمَالَ القُرْبِ مِنْكَ، فَإِنَّ مَنْ وَجَدَكَ…
لَمْ يَفْقِدْ شَيْئًا، وَمَنْ فَقَدَكَ…

فَقَدَ كُلَّ شَيْءٍ.
الكتابة نِصْفُ الحَظِّ… وَوَجْعُ الَّذِينَ لَا يَكْتَمِلُون أَيُّ قَدَرٍ هَذَا الَّذِي يَجْعَلُنِي دَائِمًا عَلَى الحَافَّةِ؟ لَا أَنَا سَقَطْتُ فَأَسْتَرِيحَ… وَلَا أَنَا وَصَلْتُ فَأَفْرَحَ.
كَأَنِّي مَحْكُومٌ بِأَنْ أَظَلَّ مُعَلَّقًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ…لَا أَمْلِكُ هَذِهِ… وَلَا أَبْلُغُ تِلْكَ. أُحِبُّ… فَيُؤْخَذُ الحُبُّ مِنْ يَدِي قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ، وَأَشْتَهِي… فَيُغْلَقُ البَابُ فِي وَجْهِي قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ، وَأَحْلُمُ… فَيُوقِظُنِي القَدَرُ قَبْلَ أَنْ أَرَى نِهَايَةَ الحُلْمِ.

لِمَاذَا أُحِبُّ مَنْ لَيْسَ لِي؟
لِمَاذَا يَنْبِضُ قَلْبِي بِاسْمٍ لَا يُكْتَبُ فِي نَصِيبِي؟ أَقِفُ أَمَامَ البَعِيدِ كَالطِّفْلِ… يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى نَجْمٍ… وَيَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِهِ أَنَّهُ لَنْ يَمْلِكَهُ أَبَدًا.
وَلِمَاذَا أَرَى الفُرَصَ كَأَنَّهَا خُلِقَتْ لِي…ثُمَّ تَمُرُّ مِنْ جَانِبِي كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ؟ وَكَأَنَّ الحَيَاةَ تَهْمِسُ لِي بِسُخْرِيَّةٍ مُرَّةٍ:
“لَيْسَ كُلُّ مَا تَرَاهُ لَكَ… وَلَيْسَ كُلُّ مَا تُرِيدُهُ سَيَكُونُ.”

أَأَنَا خُلِقْتُ لِأَكُونَ نِصْفَ سَعِيدٍ… وَنِصْفَ مَكْسُورٍ؟
أَأَنَا رَجُلُ الحُلُومِ النَّاقِصَةِ… وَالقُصُورِ الَّتِي لَا تُفْتَحُ أَبْوَابُهَا؟
أَمْ أَنَّ فِي القَصَّةِ سِرًّا أَكْبَرَ مِمَّا أَرَى؟ لَعَلَّ اللهَ — وَهُوَ الأَعْلَمُ بِضَعْفِنَا — لَا يُرِيدُ لِقَلْبٍ خُلِقَ لَهُ… أَنْ يَغْرَقَ فِي غَيْرِهِ، فَيَنْزِعُ مِنْ أَيْدِينَا مَا نُحِبُّ…لَا لِيُعَذِّبَنَا… بَلْ لِيُعِيدَنَا. يَكْسِرُ خَاطِرَنَا مَرَّةً… وَمَرَّتَيْنِ… وَعَشْرًا…حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّ مَا يُكْسَرُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ،
وَأَنَّ القَلْبَ إِذَا تَعَلَّقَ بِالدُّنْيَا… أَضَاعَ نَفْسَهُ فِيهَا. فَنَبْقَى بِنِصْفِ الحَظِّ…لِكَيْ نَبْحَثَ عَنْ الكَمَالِ فِي السَّمَاءِ، وَنَبْقَى بِنِصْفِ الفَرَحِ…لِكَيْ نَعْرِفَ أَنَّ الفَرَحَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ هُنَا.
نَعُودُ إِلَيْهِ مَكْسُورِينَ…

فَيَضُمُّنَا كَأَنَّنَا لَمْ نُكْسَرْ قَطّ،
وَنَبْكِي بَيْنَ يَدَيْهِ…فَنَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ مَا فَقَدْنَاهُ كَانَ طَرِيقًا إِلَيْهِ.
فَيَا رَبِّ…إِنْ كَانَ قَدَرِي أَنْ أَعِيشَ بِنِصْفِ الحُظُوظِ…
فَلَا تَجْعَلْنِي بِنِصْفِ القُرْبِ مِنْكَ، وَإِنْ حُرِمْتُ مِنْ كَثِيرٍ…
فَلَا تَحْرِمْنِي مِنْكَ. فَإِنِّي تَعِبْتُ مِنْ أَنْ أَكُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ… وَلَا أَكُونُ لَكَ كَمَا يَنْبَغِي، وَتَعِبْتُ مِنْ أَنْ أَجْرِي وَرَاءَ كُلِّ شَيْءٍ…وَأَنْسَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْنَى…إِلَّا أَنْتَ. فَاكْتُبْ لِي نِهَايَةً لَا نَقْصَ فِيهَا…نِهَايَةً لَا فِيهَا فِرَاقٌ… وَلَا حِرْمَان…نِهَايَةً أَجِدُ فِيهَا نَفْسِي عِنْدَكَ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى