شعر وأدب

أَهٍ يَا وَجَعَ البُعَاد بِقَلَمِ اَلْأَدِيبِ اَلْمِصْرِيِّ د. طَارِقِ رَضْوَانَ جُمُعَة

أَهٍ يَا وَجَعَ البُعَادِ، وَيَا لَوْعَةَ الفِرَاقِ الَّتِي تَسْكُنُ القُلُوبَ فَتُثْقِلُهَا، وَتَسْرِي فِي الأَرْوَاحِ فَتُؤْلِمُهَا.

كَيْفَ يَكُونُ الوُدُّ قَرِيبًا، ثُمَّ يُصْبِحُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ غَرِيبًا؟ وَكَيْفَ تَكُونُ القُلُوبُ مُتَعَاهِدَةً عَلَى الوَفَاءِ، ثُمَّ يَأْتِي الجَفَاءُ فَيُقَطِّعُ مَا بَيْنَهَا مِنْ خُيُوطِ الصَّفَاءِ؟
أَهٍ يَا وَجَعَ البُعَادِ…حِينَ يَصِيرُ الصَّمْتُ سُؤَالًا، وَالنَّظَرُ عِتَابًا، وَالذِّكْرَى كِتَابًا مَفْتُوحًا عَلَى صَفَحَاتِ الأَلَمِ وَالاِغْتِرَابِ.

أَتَسْأَلُ القَلْبَ: لِمَاذَا هَذَا الجُفُولُ بَعْدَ الأُنْسِ؟ وَلِمَاذَا هَذَا الصُّدُودُ بَعْدَ العَهْدِ وَالأَمَانِ؟
فَلَا أَجِدُ جَوَابًا إِلَّا أَنِينًا خَافِتًا، يَتَرَدَّدُ فِي صَدْرِي كَأَنَّهُ صَدَى أَحْزَانٍ قَدِيمَةٍ لَا تَفْنَى وَلَا تَزُولُ.

يَا مَنْ كُنْتَ لِلرُّوحِ سَكَنًا وَلِلأَيَّامِ أَمَلًا، مَا بَالُكَ أَصْبَحْتَ لِلذِّكْرَى أَلَمًا وَلِلشَّوْقِ عِلَّةً؟ أَمَا كَانَ بَيْنَنَا عَهْدٌ يُصَانُ؟ أَمَا كَانَ لِلْوُدِّ بَيْنَنَا مِيزَانٌ لَا يَخْتَلُّ وَلَا يُهَانُ؟
لِمَاذَا تَرَكْتَ القَلْبَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، يَتَخَبَّطُ بَيْنَ الحَنِينِ وَالأَنِينِ، وَيَتَقَلَّبُ بَيْنَ الأَمْسِ الجَمِيلِ وَالوَاقِعِ الثَّقِيلِ؟

أَهٍ يَا وَجَعَ البُعَادِ…حِينَ يَكُونُ القُرْبُ ذِكْرَى، وَالكَلَامُ حَسْرَةً، وَالطَّرِيقُ الَّذِي جَمَعَنَا يَشْهَدُ عَلَى دُمُوعٍ لَا تُرَى وَلَكِنَّهَا تُحِسُّهَا القُلُوبُ إِحْسَاسًا مُرًّا كَالصَّبِرِ، وَعَسِيرًا كَالفِرَاقِ.
لَسْتُ أَعْتِبُ لِأَجْلِ العِتَابِ، وَلَا أُؤَنِّبُ لِأَجْلِ اللَّوْمِ، وَلَكِنِّي أَسْتَنْكِرُ هَذَا التَّحَوُّلَ العَجِيبَ:
كَيْفَ يَذْبُلُ الوُدُّ بَعْدَ ازْدِهَارِهِ؟ وَكَيْفَ يَغِيبُ الصِّدْقُ بَعْدَ ظُهُورِهِ؟

أَكَانَ الحُبُّ عِنْدَكَ حَدِيثَ لَحْظَةٍ؟ أَمْ كَانَ عِنْدِي عَهْدَ عُمْرٍ لَا يَزُولُ وَلَا يَغِيبُ؟
أَهٍ يَا وَجَعَ البُعَادِ…لَوْ تَعْلَمُ كَمْ فِي الصَّدْرِ مِنْ أَشْوَاقٍ مُقَيَّدَةٍ، وَكَمْ فِي العَيْنِ مِنْ دُمُوعٍ مُتَوَارِيَةٍ، لَعَلِمْتَ أَنَّ الفِرَاقَ لَيْسَ مَسَافَةً بَيْنَ جَسَدَيْنِ، بَلْ هُوَ هُوَّةٌ بَيْنَ قَلْبَيْنِ.

فَإِنْ كَانَ البُعَادُ قَدَرًا لَا يُرَدُّ، فَلْيَكُنِ الوُدُّ ذِكْرَى لَا تُجْحَدُ، وَلْيَبْقَ فِي القَلْبِ أَثَرُ الأَيَّامِ الجَمِيلَةِ، شَاهِدًا عَلَى أَنَّنَا يَوْمًا مَا كُنَّا لِلْمَحَبَّةِ أَهْلًا، وَلِلْقُرْبِ ظِلًّا، وَلِلْوَفَاءِ أَمَلًا.

أَهٍ يَا وَجَعَ البُعَادِ…مَا أَثْقَلَ هَذَا الأَنِينَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ قَلْبٍ أَحَبَّ بِصِدْقٍ، وَمَا أَمَرَّ هَذَا السُّكُونَ حِينَ يَسْكُنُ مَكَانَ كَلِمَاتٍ كَانَتْ يَوْمًا تَمْلَأُ الحَيَاةَ دِفْئًا وَاطْمِئْنَانًا.
فَسَلَامٌ عَلَى قَلْبٍ تَعَلَّمَ مِنَ البُعَادِ صَبْرًا، وَسَلَامٌ عَلَى حُبٍّ بَقِيَ فِي الذِّكْرَى نُورًا، وَأَهٍ… ثُمَّ أَهٍ… يَا وَجَعَ البُعَادِ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى