مقالات

أَلَمُ اَلْوَدَاعُ.. بِقَلَمِ اَلْأَدِيبِ اَلْمِصْرِيِّ د. طَارِقِ رَضْوَانَ جُمُعَة

بِدَايَةً لِمَاذَا اَلْوَدَاعُ؟ لِمَاذَا اَلْفِرَاقُ؟ لِمَاذَا نَتْرُكُ مَنْ نُحِبُّ؟

هَلْ هُوَ اَلْقَدَرُ اَلَّذِي يَجْمَعُنَا ثُمَّ يُفَرِّقُنَا؟ أَمْ هُوَ اَلِاخْتِيَارُ اَلَّذِي نَقَعُ فِيهِ دُونَ أَنْ نُدْرِكَ عَوَاقِبَهُ؟

لِمَاذَا نُوَدِّعُ مَنْ نُحِبُّ دُونَ أَنْ نَقُولَ كُلَّ مَا فِي قُلُوبِنَا؟ هَلْ هُوَ اَلْخَوْفُ مِنْ اَلْمُوَاجَهَةِ؟

أَيُّهَا الوِداعُ… مَا أَثْقَلَ خُطَاكَ عَلَى القُلُوبِ، وَمَا أَمَرَّ طَعْمَكَ فِي الحُلُوقِ! تَأْتِي صَامِتًا، كَأَنَّكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ يَهْبِطُ عَلَى رُوحٍ أَلِفَتِ النُّورَ، فَيُغَيِّبُ الضِّيَاءَ وَيُبْقِي الذِّكْرَى.
كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ اللِّقَاءَ دَائِمٌ، وَأَنَّ الأَيَّامَ الَّتِي جَمَعَتْنَا لَنْ يَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ تَفْتَرِقُ فِيهِ الطُّرُقُ.
كُنَّا نَسِيرُ فِي دُرُوبِ الحَيَاةِ وَقُلُوبُنَا وَاحِدَةٌ، وَأَحْلَامُنَا وَاحِدَةٌ، وَنَظُنُّ أَنَّ الزَّمَانَ سَيَرْفُقُ بِنَا… لَكِنَّ الزَّمَانَ لَا يَعْرِفُ الرِّفْقَ بِالْعَاشِقِينَ.

وَجَاءَتْ لَحْظَةُ الوِدَاعِ…
لَحْظَةٌ يَضِيقُ فِيهَا الكَلَامُ، وَتَتَّسِعُ فِيهَا الدُّمُوعُ.
تَنْظُرُ إِلَى الحَبِيبِ كَأَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَحْفَرَ صُورَتَهُ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ، وَتُرِيدُ أَنْ تَقُولَ لَهُ أَلْفَ كَلِمَةٍ… وَلَكِنَّ الصَّمْتَ يَسْبِقُ اللِّسَانَ.

أَيُّهَا الحَبِيبُ…لَيْسَ أَلَمُ الوِدَاعِ فِي أَنْ تَمْضِي، بَلْ فِي أَنَّكَ كُنْتَ جُزْءًا مِنِّي. كُنْتَ ضَحِكَتِي حِينَ تَضِيقُ الدُّنْيَا، وَسَكِينَتِي حِينَ تَضْطَرِبُ الأَيَّامُ، وَنُورَ طَرِيقِي حِينَ تَتَكَاثَفُ الظُّلُمَاتُ.

كَيْفَ لِلْقَلْبِ أَنْ يَنْسَى نَبْضًا سَكَنَهُ؟ وَكَيْفَ لِلرُّوحِ أَنْ تَنْسَلِخَ مِمَّنْ أَحَبَّتْهُ حُبًّا صَادِقًا؟ سَتَمْضِي…وَسَتَبْقَى ذِكْرَاكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

فِي الطَّرِيقِ الَّذِي سِرْنَا فِيهِ مَعًا، فِي الكَلِمَاتِ الَّتِي تَبَادَلْنَاهَا، فِي اللَّحَظَاتِ الَّتِي ظَنَنَّاهَا أَبَدِيَّةً.
وَسَأَبْقَى أَنَا…أُحَادِثُ الذِّكْرَى كَأَنَّهَا حَاضِرٌ، وَأُصَافِحُ الطَّيْفَ كَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَأُخَبِّئُ حُبَّكَ فِي قَلْبِي كَسِرٍّ جَمِيلٍ لَا يَزُولُ.

فَإِنْ سَأَلُونِي يَوْمًا عَنْ أَجْمَلِ مَا مَرَّ فِي عُمُرِي…سَأَقُولُ:
كَانَ هُنَاكَ حُبٌّ صَادِقٌ…
وَكَانَ هُنَاكَ وَدَاعٌ أَلِيمٌ…
وَبَيْنَهُمَا…كَانَتْ قِصَّةُ قَلْبٍ أَحَبَّ بِكُلِّ مَا فِيهِ.

إِذَا اِفْتَرَقْنَا فَلَا تَنْسَى وَدَاعِي، وَلَا تَغْفُلْ عَنْ ذِكْرِي وَشَجَنِي وَبُكَائِي، فَالْوَدَاعُ لُقْيَا، وَالْفِرَاقُ وَصَالٌ، وَالْغِيَابُ حُضُورٌ فِي قَلْبِي وَرُوحِي وَدَوَائِي.

يا لمَرارَةُ وَداعِ الحَبيبِ، يا لِوَجعِ القُلوبِ عِندَ الفِراقِ، وَيا لِثِقَلِ الدُّموعِ عِندَ الوِداعِ. يَقِفُ الحَبيبُ أَمامَ الحَبيبِ، وَالقُلوبُ تَرتَجِفُ كَأَوراقِ الخَريفِ، وَالأَنفاسُ تَتَقَطَّعُ بَينَ أَمَلٍ ضَعيفٍ وَحُزنٍ عَميقٍ. كَأَنَّ الزَّمانَ تَوَقَّفَ لَحظَةً، لِيَشهَدَ مَرارَةَ الفِراقِ، وَيَكتُبَ في صَفَحاتِ القَلبِ قِصَّةَ وِداعٍ لا تُمحى.

نَظَرَتِ العُيونُ نَظرَةَ أَسى، وَتَبادَلَتِ القُلوبُ آهاتِ الهَوى؛ فَقالَتِ الرُّوحُ لِلرُّوحِ: كَيفَ أَرحَلُ وَأَنتَ في دَمي نَبضٌ وَفي قَلبي وَطنٌ؟ وَكَيْفَ أُطفِئُ شُموعَ اللِّقاءِ وَقَد أَضاءَت أَيّامي سَنينًا؟

وَقالَ الشَّاعِرُ: قَد كانَ قُربُكَ رَبيعًا في مَواطِنِنا ** فَصارَ بُعدُكَ خَريفًا داخِلَ المُهَجِ
فَيا مَن رَحَلتَ عَن دُروبي، سَتَبقى في قَلبي قِصَّةً تُروى، وَنَبضًا لا يَهدَأُ، وَشِعرًا يَتَرَدَّدُ في خَواطِري كُلَّما هَبَّت رِياحُ الذِّكرى. وَكَأَنَّ القَلبَ يُنشِدُ في آخِرِ الوِداعِ:

إِن غِبتَ عَن عَيني فَحُبُّكَ ساكِنٌ ** في القَلبِ ما بَينَ الضُّلوعِ مُقيمُ
سَأَعيشُ أَذكُرُكَ الجَميلَ وَإِن مَضَيتَ ** فَالذِّكرُ بَعدَ الفَقدِ أَصدَقُ تَكريمُ.
كَأَنَّكَ كُنْتَ فِي قَلْبِي وَكَأَنِّي لَمْ أَكُنْ فِي حَيَاتِكَ، كَأَنَّكَ كُنْتَ اَلْحُلْمَ وَأَنَا اَلْوَاقِعُ، كَأَنَّكَ كُنْتَ اَلْغَايَةَ وَأَنَا اَلطَّرِيقُ.

إِذَا اِفْتَرَقْنَا فَلَا تَنْسَى اَلْوَعْدَ اَلَّذِي بَيْنَنَا، وَلَا تَنْسَى اَلْعَهْدَ اَلَّذِي عَلَيْنَا، فَالْوَفَاءُ شِيمَةُ اَلْأَحِبَّةِ، وَالْغَدْرُ خِيَانَةُ اَلْعُشَّاقِ.

كَأَنَّكَ كُنْتَ اَلْحُبَّ اَلَّذِي لَمْ يَكُنْ، واَلْحُلْمَ اَلَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ، واَلْشَوْقَ اَلَّذِي لَمْ يَنْتَهِ. إِذَا اِفْتَرَقْنَا فَلَا تَنْسَى أَنِّ الْحُبُّ لَا يَمُوتُ، وَالْوُدُّ لَا يَفْنَى. لَا تَنْسَى أَنَّ اَلذِّكْرَى تَبْقَى، وَأَنَّ اَلْحُبَّ لَا يَنْقَضِي، فَالْوَدَاعُ لَيْسَ اَلنِّهَايَةَ، بَلْ هُوَ اَلْبِدَايَةُ.

كَأَنَّكَ كُنْتَ اَلنَّسْمَةَ اَلَّتِي تَمُرُّ عَلَى قَلْبِي، واَلْطَّيْرَ اَلَّذِي يُغَرِّدُ فِي رُوحِي، واَلْحُلْمَ اَلَّذِي أَرَى فِيهِ اَلْسَّعَادَةَ، واَلْكِتَابَ اَلَّذِي قَرَأْتُهُ، واَلْقِصَّةَ اَلَّتِي عِشْتُهَا.

إِذَا اِفْتَرَقْنَا فَلَا تَنْسَى أَنَّ اَلْقُلُوبَ تَتَحَدَّثُ، وَأَنَّ اَلْعُيُونَ تَتَكَلَّمُ، فَالْحُبُّ لُغَةٌ لَا تُتَرْجَمُ، وَلَا تُفَسَّرُ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى