مقالات

كَائِنٌ اِسْمُهُ اَلْحُبُّ بِقَلَمِ اَلْأَدِيبِ اَلْمِصْرِيِّ د. طَارِقِ رَضْوَانَ جُمُعَة

“نَحْنُ لَا نُحِبُّ اَلنَّاسَ لِأَنَّهُمْ طَيِّبُونَ، بَلْ لِأَنَّنَا نَحْنُ طَيِّبُونَ.” – تُولِسْتُوي

بِمَعْنَى أَنَّ اَلْحُبَّ فِي جَوْهَرِهِ اِنْعِكَاسٌ دَاخِلِيٌّ، لَا اِسْتِجَابَةُ خَارِجِيَّةٌ، نَحْنُ لَا نُخْرِجُ مِنْ قُلُوبِنَا إِلَّا مَا يَسْكُنُهَا. حِينَ يَكُونُ فِي دَاخِلِكَ صَفَاءٌ، تَرَى اَلصَّفَاءَ فِي اَلْوُجُوهِ اَلْمُتْعَبَةِ، وَحِينَ يَكُونُ فِي دَاخِلِكَ رَحْمَةٌ، تَجِدُ اَلْمُبَرِّرَاتِ بَدَلَ اَلْأَحْكَامِ، وَحِينَ تَكُونُ طَيِّبًا، لَا تَبْحَثُ عَنْ اَلْكَمَالِ، بَلْ تَبْحَثُ عَنْ إِنْسَانِيَّة البشر. نَحْنُ نُحِبُّ لِأَنَّ لَدَيْنَا قُدْرَةً عَلَى اَلْحُبِّ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اَلْحُبِّ قُوَّةٌ، لَا ضَعْفٌ. فَالْمُحِبُّ يَظَلُّ نَقِيًّا رَغْمَ مَا مَرَّ بِهِ مِنْ قَسْوَةٍ، كَرِيمًا رَغْمَ اَلْخَيْبَاتِ، يَمْنَحُ دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ اَلْمُقَابَلَ. فَالْمُعَامَلَةُ لَيْسَتْ بِالْمِثْلِ، بَلْ مَبْدَأٌ، لَيْسَتْ صَفْقَةً، بَلْ هُوِيَّةٌ، أَنْتَ لَا تَكُونُ طَيِّبًا لِأَنَّ اَلْعَالَمَ لَطِيفٌ، بَلْ لِأَنَّكَ قَرَّرْتَ أَلَّا تَدَعَ اَلْعَالَمَ يَسْلِبُكَ نَقَاءَكَ. وَالطِّيبَةُ لَا تَتَنَاقَضُ مَعَ اَلْحَزْمِ، كَمَا أَنَّ اَلرَّحْمَةَ لَا تَتَعَارَضُ مَعَ اَلْحُدُودِ.

حِبُّ وَلَكِنْ ضَعْ مَسَافَةً، حِبُّ بِوَعْيٍ حَتَّى لَا تَقَعَ فِي دَائِرَةِ اَلسُّذَاجَةِ. فاَلْقِيمَةَ اَلْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي أَنْ يُحِبَّكَ اَلْجَمِيعُ، بَلْ فِي أَلَّا تَفْقِدَ نَفْسَكَ وَأَنْتَ تُحِبُّهُمْ. اَلْحُبُّ إِذًا لَيْسَ مُكَافَأَةً يَمْنَحُهَا اَلْآخَرُونَ لَنَا، بَلْ طَاقَةً نَخْتَارُ أَنْ نَعِيشَ بِهَا، وَمَنْ يُمْكِنُهُ اَلْحُبُّ يَمْلِكُ قَلْبًا، يَمْلِكُ كَنْزًا لَا يُشْتَرَى وَلَا يُنْتَزَعُ: اَلْحُبُّ هُوَ نُورٌ دَاخِلِيٌّ نَمْتَلِكُهُ رَغْمَ كَثْرَةِ اَلظَّلَامِ حَوْلَنَا. فَحَافِظْ عَلَى طِيبَتِكَ.

وبِالنَّظَرِ إِلَى قِصَّةِ اَلْخَضِرِ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا اَلسَّلَامُ تَجِدُ مُوسَى يَطْلُبُ : ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ وَالِاتِّبَاعُ حَرَكَةٌ، لَا سُكُونَ. رِحْلَةٌ، لَا إِقَامَةٌ. مُوسَى نَبِيٌّ صَاحِبُ شَرِيعَةٍ، جَاءَ لِيَتَعَلَّمَ زَاوِيَةَ رُؤْيَةٍ، لَا لِيُسَلِّمَ قِيَادَهُ لِشَيْخٍ. وَلَا يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَلَقَّى اَلْعِلْمَ مِنْ شَخْصٍ يَكْرَهُهُ. فَلَا شَكَّ أَنَّ اَللَّهَ اَلَّفَ بَيْنَ قَلْبَيْ اَلْخَضِرِ وَمُوسَى وَهَيَّأَ لَهُمَا اَللِّقَاءَ. جَاءَ مُوسَى فِي مَقَامِ اَلْعَارِفِ اَلسَّائِلِ، لَا اَلتَّابِعِ اَلْمَأْسُورِ. وَهَذَا هُوَ اَلْحُبُّ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ إِضَافَةٍ لَكَ لَدَى اَلْحَبِيبِ، دُونَ أَنْ تَكُونَ أَسِيرَ وَتَابِعَ لَهُ أَوْ تَتَحَوَّلَ إِلَى صُورَةٍ مِنْهُ. وَرَغْمَ أَنَّ مُوسَى أَتَى بِأَمْرٍ إِلَهِيٍّ صَرِيحٍ، وَأُرْسِلَ لِيُتَّبَعَ، لَكِنَّهُ أُرْسِلَ أَيْضًا لِيَسْأَلَ وَيَتَعَلَّم. فَالسُّؤَالُ جُزْءٌ مِنْ اَلرِّسَالَةِ، لَا خَلَلٌ فِيهَا. وَالْحَيَاةُ رِسَالَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى اَلْحُبِّ وَالسَّلَامِ وَكَثيرٍ مِنْ اَلْمَعَانِي اَلرُّوحِيَّةِ اَلْجَمِيلَةِ. لَوْ أَرَادَ اَللَّهُ لِمُوسَى اَلسُّكُوتَ، لَأَلْهَمَهُ اَلصَّمْتَ. وَلَوْ أَرَادَ لَهُ اَلرُّكُونَ، لَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ. لَكِنْ اَللَّهُ سَاقَهُ إِلَى طَرِيقٍ تُكْسَرُ فِيهِ اَلْمُسَلَّمَاتُ، وَيُسْتَفَزُّ فِيهِ اَلْعَقْلُ لِيَعْرِفَ حُدُودَهُ، لَا لِيُلْغَى. وَلَنَا هُنَا عِبْرَةٌ فَالتَّوْفِيقُ فِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ هِبَةٌ مِنْ اَللَّهِ، وَالْجَمْعُ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ اَلْقُلُوبِ بِيَدِ اَلْخَالِقِ وَحْدَهُ. وَالْحُبُّ ذَاتُهُ كَائِنٌ حَىٌّ وَهُوَ هِبَةُ اَلسَّمَاءِ لِلْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعًا وَمَلْمُوسُ وُجُودِهَ حَتَّى بَيْنَ اَلْحَيَوَانَاتِ.

اعْتِرَاضُ مُوسَى لَمْ يَكُنْ سُوءَ أَدَبٍ، بَلْ صِدْقُ حُضُورٍ. لَمْ يَكُنْ إِنْكَارًا لِلْحِكْمَةِ، بَلْ رَفْضًا لِفَصْلِ اَلْفِعْلِ عَنْ اَلْعَدْلِ فِي مِيزَانِ اَلْظَّاهِرِ. كَانَ يَرَى بِعَيْنِ اَلشَّرِيعَةِ، وَالْخَضِرُ يَعْمَلُ مِنْ مَقَامِ اَلْحَقِيقَةِ، وَبَيْنَ اَلْمَقَامَيْنِ فَجْوَةٌ لَا تُرَدْمُ بِالصَّمْتِ، بَلْ بِالِامْتِحَانِ. فَالْحُبُّ بَيْنَ قَلْبَيْنِ لَا يَنْمُو وَيَنْضَجُ إِلَّا بِالْمُصَارَحَةِ وَالْوُضُوحِ وَالِاسْتِفْسَارِ. وَلِذَلِكَ كُلُّ اَلْحَذَرِ مِنْ اَلْوَهْمِ اَلْبَشَرِيِّ اَلْأَكْبَرِ حِينَ يُقَدَّسُ اَلصَّمْتُ، وَيُصَوَّرُ اَلسُّؤَالُ وَقَاحَةً، خَاصَّةً بَيْنَ اَلزَوْجِ وَزَوْجَتِهِ أَوْ بَيْنَ قُلُوبِ اَلْأَحِبَّةِ.

وَحِينَ يَقُولُ اَلْخَضِرُ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ لَنَا وَقْفَةٌ لِنَتَعَلَّمَ أَنَّ اَلصَّبْرَ عَلَى اَلسَّبَبِ دُونَ رُؤْيَةِ اَلْمُسَبِّبِ عَذَابٌ لِلْعَقْلِ، وَلَكِنَّ اَلصَّبْرَ وَالتَّرَوُّى مَطْلُوبٌ وَخَاصَّةً فِي اَلْمَشَاكِلِ اَلزَّوْجِيَّةِ ، فَكَثِيرًا مَا فَسَدَتْ وَهُدِمَتْ بُيُوتٌ بِسَبَبِ اَلتَّسَرُّعِ.
اُنْظُرْ لِلْخَضِرِ لَمْ يَكُنْ فِي مُحْرَابٍ، بَلْ عِنْدَ مَجْمَعِ اَلْبَحْرَيْنِ: بَحْرِ اَلْظَّاهِرِ وَبَحْرِ اَلْبَاطِنِ، بَحْرِ اَلشَّرِيعَةِ وَبَحْرِ اَلْحَقِيقَةِ. ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ هَكَذَا اَلْحَيَاةُ فِي مُجْمَلِهَا بَيْنَ اَلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالرَّحْمَةِ وَالْقَسْوَةِ.

لَا تُتَحَدَّى حِكْمَةُ اَللَّهِ وَلَكِنْ دَع مَشِيئَتُهُ تَمْضِي فِيكَ، فَالْحِكْمَةُ تُؤْخَذُ بِقَدْرِ اَلْحَاجَةِ، ثُمَّ تُتْرَكُ عِنْدَ اِكْتِمَالِ اَلْمَعْنَى.
مَجْمَعُ اَلْبَحْرَيْنِ فِيكَ… لَا خَارِجَكَ. حِينَ يَلْتَقِي بَحْرُ أُنَانِيَّتِكَ بِبَحْرِ تَسْلِيمِكَ، تَبْدَأُ اَلرِّحْلَةُ اَلْحَقِيقِيَّةُ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى