هوس “نمبر 1” ومسخرة المقارنات… حين تتحول الدراما إلى معركة وهمية!

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في كل موسم درامي يتكرر المشهد نفسه بشكل يكاد يكون هزليًا؛ سباق محموم على لقب “نمبر 1″، ومقارنات لا تنتهي بين المسلسلات والفنانين، وكأن الفن أصبح حلبة مصارعة لا ساحة إبداع.
نقرأ يوميًا عناوين من نوع: من كسر الدنيا؟ من اكتسح المشاهدات؟ من تصدر الترند؟ وكأن القيمة الفنية اختُزلت في أرقام ومنافسات مصطنعة.
الحقيقة البسيطة التي يتجاهلها كثيرون أن الحاكم الوحيد في الفن هو المشاهد.
المشاهد وحده من يقرر ما يعجبه وما يرفضه، وما يستحق الاستمرار وما يختفي مع مرور الوقت. فلا اللجان الإلكترونية قادرة على فرض عمل فني على الناس، ولا الحملات الدعائية تستطيع إجبار الجمهور على حب مسلسل لا يمس وجدانه.
للأسف، أصبح مشهد اللجان الإلكترونية واضحًا ومكشوفًا إلى حد يثير السخرية.
جيوش من الحسابات تهاجم هذا الفنان وتمجد ذاك، تصنع مقارنات مفتعلة وتضخم أرقامًا وتروج لانتصارات وهمية. والنتيجة؟ حالة من الضجيج الفارغ الذي يسيء للفن أكثر مما يخدمه.
الفن في جوهره رسالة وإبداع وتعبير عن المجتمع، وليس مباراة لتوزيع ألقاب وهمية.
فالتاريخ الفني لم يكتب يومًا بمنطق “نمبر 1″، بل كتب بالأعمال التي بقيت في وجدان الناس لعقود.
لم يكن أحد يسأل قديمًا: من رقم واحد؟
بل كان السؤال الحقيقي: أي الأعمال بقيت في الذاكرة؟ وأيها صار جزءًا من وجدان الناس؟
وإذا كان بعض صناع الدراما يظنون أن الترندات واللجان الإلكترونية يمكنها صناعة مجد فني، فالتاريخ يقول عكس ذلك. فالجمهور قد ينخدع لحظة، لكنه لا يُخدع طويلًا.
لهذا فإن ما نشهده اليوم من مقارنات صاخبة بين المسلسلات والفنانين لا يعدو كونه مهزلة إعلامية تفقد الفن قيمته وتحوّله إلى مادة للجدل الفارغ.
الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ ولا إلى حملات إلكترونية.
العمل الجيد يفرض نفسه بهدوء، ويصل إلى الناس بلا وسطاء.
وفي النهاية تبقى الحقيقة البسيطة:
الفنان الحقيقي لا يشغله لقب “نمبر 1”… بل يشغله أن يبقى عمله رقمًا صعبًا في ذاكرة الجمهور.




