مقالات

رامز جلال… حين يتحول الترفيه إلى مصنع لإفساد الأجيال

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام

لم يعد الأمر مجرد برنامج ترفيهي يُعرض في موسم رمضان، بل تحوّل إلى ظاهرة سنوية ينتظرها الملايين، ويتابعها الصغار قبل الكبار. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا فعلت برامج رامز جلال في وعي جيل كامل؟ وهل كانت مجرد ضحكات عابرة… أم ساهمت في ترسيخ سلوكيات مشوهة تحت ستار “الهزار”؟

على مدار سنوات، قُدمت سلسلة من البرامج التي تعتمد على التخويف المفاجئ، ووضع الضيف في حالة هلع حقيقية، ثم تحويل هذا الاضطراب الإنساني إلى مادة للضحك. صحيح أن الضيوف نجوم ويتقاضون أجورًا، لكن المشهد الذي يصل إلى بيوت الناس شيء آخر. الطفل الذي يشاهد لا يرى “اتفاقًا مسبقًا”، بل يرى إنسانًا يُفزع ويصرخ ويُحرج أمام الكاميرات… والجميع يضحك.

هنا يبدأ الخلل.
حين يصبح الخوف مادة للترفيه، يفقد المجتمع حساسيته تجاه الألم النفسي. وحين تتحول الإهانة إلى “تريند”، ينشأ جيل يعتقد أن إحراج الآخرين خفة دم، وأن التنمر مهارة اجتماعية، وأن الصدمة وسيلة مشروعة لجذب الانتباه.

برامج المقالب ليست جديدة على الشاشة، لكن الفارق كبير بين دعابة قائمة على الذكاء، وبين صناعة صدمة قائمة على الرعب. هناك خيط رفيع بين أن نضحك مع الإنسان… وأن نضحك عليه. ومع تكرار المشهد عامًا بعد عام، يتآكل هذا الخيط حتى يختفي.

الأخطر أن هذه النوعية من البرامج تُعرض في شهر يُفترض أنه شهر تهذيب للنفس وضبط للسلوك وتعزيز لقيم الرحمة والرفق. بدلًا من أن تُغرس في القلوب معاني الطمأنينة، يُعاد إنتاج مشاهد الصراخ والانفعال كجزء من طقوس الترفيه الرمضاني.
جيل بأكمله تربّى على أن الكاميرا تبرر كل شيء، وأن “المقلب” مهما كان قاسيًا مقبول طالما يحقق نسب مشاهدة مرتفعة. ومع الوقت، انعكس ذلك على الواقع: مقاطع تخويف في المدارس، سخرية علنية على مواقع التواصل، تصوير الآخرين دون إذنهم بحجة المزاح، وتطبيع تدريجي مع ثقافة الإحراج العلني.

لسنا ضد الضحك… فالضحك حاجة إنسانية نبيلة. لكننا ضد أن يُصنع الضحك من لحظة ضعف، أو من حالة خوف حقيقية، أو من انهيار إنساني يُعاد بثه ملايين المرات.
المشكلة ليست في شخص بعينه بقدر ما هي في نموذج ترفيهي ترسّخ حتى أصبح معيارًا للنجاح. نموذج يضع الإثارة فوق القيمة، والتريند فوق الذوق العام، والمشاهدات فوق المسؤولية.

قد تحقق هذه البرامج أرقامًا قياسية، لكن السؤال الأهم: أي وعي نُشكِّله؟ وأي ذوق نُربيه؟ وأي إنسان نصنعه؟

الترفيه حين ينفصل عن الأخلاق لا يعود بريئًا… بل يتحول، ببطء، إلى مصنع لإفساد الأجيال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى