حين ينكسر صاحب الحق… ويُصفَّق للباطل

بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
لم تكن الأزمة يومًا في قلة الحق، ولا في غياب العدل، بل في انقلاب الموازين.
زمانًا كان يُقال: “صاحب الحق عينه قوية”،
وكانت العين القوية لا تعني الوقاحة، بل تعني الطمأنينة.
عين ثابتة لأنها تستند إلى يقين،
وصوت واضح لأنه لا يخشى انكشافًا.
أما اليوم، فصاحب الحق يُحاصر…
يُتهم بالتشدد،
يوصم بإثارة الفتنة،
ويُدفع دفعًا إلى زاوية الصمت،
بينما يقف الظالم فاجرًا بجحًا، لا يخجل، بل يتباهى!
المنافقون… حين يختلط المشهد
لم يكن النفاق ظاهرة عابرة في التاريخ،
بل وصفه القرآن بدقة مذهلة، كأنه يتحدث عن زمننا هذا:
“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ”
(سورة البقرة: 11-12)
المشكلة لم تكن يومًا في وجود المفسد،
بل في قدرته على ارتداء ثوب الإصلاح.
يبيع الوهم باسم المصلحة،
ويمارس الظلم تحت شعار الواقعية،
ويبرر الانحراف بحجة “الظروف”.
بل إن القرآن كشف حقيقة أخرى أشد خطورة:
“فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا”
(البقرة: 10)
مرضٌ يجعل الإنسان يرى النور تهديدًا،
ويرى الصدق خطرًا،
ويرى صاحب المبدأ خصمًا يجب إسقاطه.
زمن يُحارب فيه الثبات
قال رسول الله ﷺ:
“سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين…”
أليست هذه الصورة مألوفة؟
الصادق يُتهم،
وصاحب المبدأ يُقصى،
ومن يرفض المشاركة في الباطل يُوصم بأنه معقّد أو متعالي.
بل الأسوأ… أن بعض الناس لا يكتفون بالصمت،
بل يصطفون مع الظالم!
خشيةً من خسارة مصلحة،
أو طمعًا في رضا،
أو خوفًا من مواجهة.
لماذا يبدو صاحب الحق مكسورًا؟
لأن الحق اليوم لا يجد ظهيرًا.
ولأن كثيرين آثروا السلامة على المواجهة.
لكن الانكسار الظاهري لا يعني الهزيمة.
الله تعالى يقول:
“وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”
(آل عمران: 139)
العلو ليس ضجيجًا…
ولا انتشارًا على الشاشات…
ولا تصفيقًا من الجموع.
العلو ثبات.
وقال سبحانه:
“وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ”
(هود: 113)
الركون ليس فقط أن تظلم،
بل أن تبرر،
أن تصمت،
أن تبتسم في وجه الباطل.
الوقاحة ليست قوة
البجاحة ليست شجاعة.
والصوت العالي ليس دليل حق.
قال ﷺ:
“اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”
قد يبدو الظالم منتصرًا لحظة،
وقد يبدو صاحب الحق وحيدًا،
لكن ميزان السماء لا يختل.
والتاريخ يشهد:
ما ثبت باطلٌ طويلًا،
وما سقط حقٌ صادق.
المعركة الحقيقية
المعركة اليوم ليست بين حق وباطل فقط،
بل بين ضمير حي… وضمير مستريح.
بين من يدفع ثمن كلمته،
ومن يبيع كلمته ليشتري الأمان.
صاحب الحق قد يبدو مكسورًا،
لكنه في الحقيقة ممتحَن.
أما الظالم الفاجر البجح…
فهو مملى له.
والفرق بين الامتحان والإملاء…
أن الأول رفعة،
والثاني استدراج.
“وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا”
(آل عمران: 178)
في النهاية…
لا تحزن إن كنت صاحب حق وتبدو وحيدًا.
ولا تغتر إن صفق لك الناس وأنت على باطل.
فالتصفيق لا يصنع حقًا،
والعزلة لا تسقطه.
الحق لا يُقاس بعدد المؤيدين…
بل بصدق الموقف.
وقد يطول ليل الظلم،
لكن الفجر لا يُلغى.




