مقالات

حين يضلّ العقل… ويُستباح الدم باسم الفكرة

 بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام

توقف الدكتور العظيم مصطفى محمود طويلًا أمام سؤالٍ مُحيِّر، سؤال يهزّ الضمير قبل العقل:
كيف يمكن للإنسان أن يرى الحق ثم ينقلب عليه؟
وكيف يُقنِع الشيطانُ بشرًا أن الجريمة طاعة، وأن الدم عبادة؟

كيف لرجلٍ مثل أبي لؤلؤة المجوسي، وقد أنقذه المسلمون من أسر الرومان، وأكرموه، وأسكنوه المدينة، أن يرفع يده الآثمة ليطعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو قائم بين يدي الله يصلي الفجر في المسجد النبوي؟

واندهش الناس.
وكيف استطاع عبد الله بن سبأ، صاحب الهوى والفتنة، أن يزرع الشك في قلوب بعض المسلمين، حتى أقنعهم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه – صاحب الخلق والحياء – ظالمٌ يجب الخروج عليه، فحاصروه وقتلوه وهو يقرأ القرآن؟

واندهش الناس.
وكيف لرجلٍ عُرف بالعبادة وحفظ القرآن مثل عبد الرحمن بن ملجم، أن يقتنع بأن قتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قُربةٌ إلى الله، فيضربه وهو خارج إلى صلاة الفجر؟

واندهش الناس.
وكيف لخادمٍ عاش في بيت الحسن بن علي رضي الله عنه، ولم يرَ إلا إحسانًا وكرمًا، أن يُسيء إليه بعد كل هذا الفضل؟

واندهش الناس.
وكيف استطاع بعض من كانوا في جيش يزيد أن يرفعوا السيوف في وجه الحسين بن علي، حفيد رسول الله ﷺ، وهم يظنون – يا للمفارقة – أنهم على الحق؟
واندهش الناس.
الأمثلة كثيرة…

والقاسم المشترك واحد:
العقل حين يُعطَّل، والفطرة حين تُطمَس، يصبح الإنسان أداة في يد الفكرة لا سيدًا لها.
مرة باسم الدين،
ومرة باسم الوطن،
ومرة باسم الطاعة أو المصلحة أو الشرعية…

لكن الباطل يظل باطلًا، مهما ارتدى من أثواب مقدسة.
الحقيقة التي يؤكدها مصطفى محمود، أن العقل السليم لا ينخدع،
وأن الفطرة النقية لا تبرر الظلم،
وأن الحق لا يحتاج إلى دمٍ ليُثبت نفسه.

سيظل عمر وعثمان وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعًا
رموزًا خالدة للعدل والإيمان والتقوى.
تاريخهم مشرق في الدنيا،
ومقامهم عظيم عند الله في الآخرة.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾

والعبرة التي يجب ألا تغيب:
أن الإنسان يوم القيامة لن يُسأل عمّن حرّضه،
ولا عمّن أقنعه،
ولا عن الشعارات التي رددها…
بل سيُسأل عن قلبه،
عن نيته،
عن عدله،
عن لحظة اختار فيها أن يكون مع الحق… أو ضده.
فالشر لا يبدأ بسكين،
بل بفكرةٍ فاسدة صدّقها عقلٌ غائب.

عن كتاب: «عظماء الدنيا وعظماء الآخرة»
✍️ د. مصطفى محمود – رحمه الله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى